لا أظن أن هناك قارئا، له قسط من الثقافة، لا يعرف المثل العربي الشائع "ارحموا عزيز قوم ذل"؛ كما لا أعتقد أن هذا القارئ، مهما قلت ثقافته، قد يجهل معنى هذا المثل. وكم من قارئ قد يكون على علم حتى بقصته.

ويبدو أن الوقت قد حان لنصنع، نحن المغاربة، مثلا يضاهي أو يفوق المثل العربي القديم. فـ"عزيزنا"- صاحب البطولات في التهريج و"التبوحيط" وقلب الحقائق والكذب الصراح وغير ذلك من الصفات المذمومة - لم يذل فقط؛ بل جُنَّ أيضا. ولهذا اخترت لمقالي هذا  عنوان "ارحموا عزيز قوم جُن" كمشروع لمثل، قد يصير شعبيا.

 وبهذا، سيكون للمثل العربي أخ شقيق، في المغرب، يجمع بين الذل والجنون. وسيلج بذلك  عالم الأمثال الرحب، بعد أن فشلت "التماسيح والعفاريت" في ذلك. وبهذا الإنجاز، الذي يعود الفضل فيه إلى السيد عبد الإله بنكيران، ستدخل العشرية المغربية الثانية من الألفية الثالثة التاريخ الثقافي من بابه الواسع.

بالنسبة للذل، فإن صاحبنا هو من أوقع نفسه فيه من خلال الكذب ومحاولات التدليس على الرأي العام. لقد ادعى ضيق ذات اليد، بينما يعلم الجميع أن لبنكيران شركات، خاصة في مجال التعليم الخصوصي؛ ناهيك عن قضائه بضع ولايات في البرلمان قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة. أليس قوله "ما عندي حتى حاجة" منتهى الذل والهوان؟ لقد فضل السقوط الأخلاقي  على العزة والكرامة.

أما الجنون (والجنون فنون، كما هو معلوم)، فتدل عليه تسجيلاته المنشورة تباعا في موقع "يوتوب"، بحيث يلاحظ الجميع أن رئيس حكومتنا السابق يعاني من خلل حاد في سلوكه التواصلي؛ وذلك راجع إلى أزمة نفسية حقيقية، ألمت به منذ أن أقيل من رئاسة الحكومة بعد أن فشل في تشكيل الأغلبية؛ وتزداد هذه الأزمة حدة مع توالي الأيام، لكونه لم يستسغ أن يفقد رئاسة الحكومة؛ فهو محب للسلطة بشكل جنوني. وزاد فقدان الأمانة العامة لـ"لبيجيدي"في تعميق هذه الأزمة.

ويبدو أن الفترة التي قضاها وهو ساكت (لحسابات مصلحية)، قد عقَّدت حالته، خاصة وأنه معروف عنه أنه رجل مهدار (كثير الكلام)؛ لذلك، لم يعرف، بعد أن حُلت عقدة لسانه، كيف يتوقف عن توجيه الضربات في كل الاتجاهات، وبعشوائية كبيرة. لقد أصبح الرجل "يدخل ويخرج في الهضرة". فخطابه لم يعد يحكمه أي منطق. فهو قادر على أن يدافع في نفس الفيديو على الشيء وضده، دون أن يشعر بأي حرج؛ مما يدفع إلى الشك في قدراته العقلية والتمييزية.

ورغم النصيحة التي وجهها إليه بعض الأصدقاء، ومنهم السيد محمد نبيل بن عبد الله، بالكف عن الكلام والإمساك عن التفاعل مع ما يكتب عنه، استمر الرجل في نشر غسيله وكشف عوراته دون وعي منه. فهو يفضح نفسه دون أن يشعر.

 أما الدكتور محمد العماري، البلاغي المغربي المعروف- وبعد أن فكك خطاب بنكيران (انطلاقا من الفيديو الذي ادعى فيه بأنه لا يملك شيئا وأن كل أمواله تُصرف على الضيوف الذين يقصدون داره) وعرَّى اختلالاته وضعفه الحجاجي والإقناعي- فقد نصحه بعدم الاسترسال في الخرجات الإعلامية التي لن تزيده إلا اندحارا وتشويها. 

لكن السيد بنكيران لم يعد يأبه لا بنصيحة الأصدقاء ولا بنصيحة أهل العقل والرأي، فأصبح أضحوكة بين الناس سواء في المواقع الإليكترونية أو المواقع الاجتماعي أو في المقاهي أو في غير ذلك من الأماكن.

فحتى الكتائب الإليكترونية لحزب العدالة والتنمية، لم تفلح في التغطية على فضائح وزلات أمينهم العام السابق. وربما لهذا السبب، استنجد موقع "العمق" القريب من العدالة والتنمية بخدمات المهرج محمد زيان ليقول لنا بأن عبد الإله بنكيران هو أفقر رئيس حكومة عرفه المغرب. لكن، من يصدق زيان؟ فتهريجه أفقده كل مصداقية.   

ولهذا، بدا لي مناسبا أن أوجه نداء، على أمل أن يصير مثلا، لكل الذين يسخرون من رئيس حكومتنا السابق الذي، والحق يقال، لم يقنعني يوما بأنه رجل دولة، طالبا منهم أن يرحموا "عزيزهم"؛ فقد ذلَّ وجُن؛ وأوجه بنفس المناسبة نصيحة إلى بنكيران بأن يزور، في أسرع وقت، طبيب الأمراض النفسية أو العقلية، قبل أن تتطور الحالة ويتفاقم المرض، فيستعصي على العلاج.   



 محمد إنفي