حين غادرت القوات الأميركية العراق عام 2011 تركته بلدا محطما.

لم يقل الرئيس الأميركي باراك أوباما إن قوات بلاده قد أنجزت أو أنهت مهمتها إلا إذا كان تحطيم العراق تلك المهمة فإن تلك القوات قد قامت بواجبها وأكثر.

لم تتحدث الإدارة الأميركية يومها عن بلد وضعته على سكة الحرية بمفهومها الحقيقي بعد أن ادعت أنها قامت باحتلاله لتحرر شعبه من نظام صدام حسين الذي تميز بالاستبداد.

حتى حديثها عن الديمقراطية صار يتخذ طابعا مراوغا.

ما كانت إدارة الرئيس أوباما تعرفه عن حقيقة الوضع في العراق لم يكن يعرف الجزء الأكبر منه سياسيو الأحزاب الحاكمة باستثناء نوري المالكي الذي حظي يومها بدعم استثنائي من قبل الأميركان الذين تركوا العراق وديعة بين يديه وهم يدركون جيدا أنه كان جاهزا لتسليم تلك الوديعة إلى الإيرانيين وهم اسياده العقائديين.

كان العراق يومها دولة من غير جيش حقيقي ولا أجهزة أمنية وطنية، بالرغم من أن الطرفين، العراق والولايات المتحدة، كانا قد أنفقا مليارات الدولارات من أجل تأسيسهما وتدريبهما وتزوديهما بأحدث المعدات والأسلحة.

وليس مستبعدا أن الطرفين لم يكونا يملكان الرغبة الحقيقية في أن تقوم للجيش العراقي قائمة وهو هدف لم يخفه الأميركان حين كان حله عام 2003 أول قراراتهم في العراق بعد احتلاله.

اما الأجهزة الأمنية فلم يلتفت إليها الأميركان فاخترقتها الميليشيات التابعة لإيران واستعملتها مظلة قانونية لتنفيذ مشاريعها الطائفية في تصفية واعتقال المعارضين لسياسات العزل والتمييز والتهميش على أساس الهوية الطائفية من غير الحاجة إلى العودة إلى الإجراءات القانونية وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام الميليشيات لتقيم سجونها السرية.

لقد ترك الأميركان العراقيين مستعَبدين من قبل الميليشيات "الإيرانية" بعد أن وعدوهم بحرية، تبين في ما بعد أنها لم تكن سوى كذبة، أريد من خلال تمريرها أن يتم ركن العراق جانبا في المعادلة الإقليمية.

خسر العرب العراق القوي فيما ربحته إيران محطما.

وليس من باب التكهن أن الولايات المتحدة لم تتفاجأ بما فعله نوري المالكي يوم سلم الموصل الى التنظيم الإرهابي داعش عام 2014 بعد أن سحب القطعات العسكرية العراقية التي كانت مكلفة بحماية المدينة تاركة أسلحتها الأميركية الحديثة هدية للتنظيم الارهابي.

يومها لم تعبر الولايات المتحدة عن استيائها بسبب تسليم أسلحتها إلى تنظيم إرهابي. بل أن الولايات المتحدة لم تنظر إلى المالكي وهو يسعى إلى ولاية ثالثة بعين غاضبة إلا بعد أن شعرت أن الاستمرار في دعمه سيجعلها تبدو كما لو أنها تدعم سياساته الطائفية التي انتهت إلى أن يقع ثلثا مساحة العراق في قبضة الإرهابيين.

وبالرغم من أن مساهمة القوات الجوية الأميركية في تحرير الموصل كانت حاسمة غير أن الإدارة الأميركية لم تكن راغبة في استعادة دورها في العراق وتخلت عنه نهائيا لإيران.

يومها حررت الولايات المتحدة ثلثي الأراضي العراقية من قبضة التنظيم الإرهابي لتهبه كاملا إلى إيران.

كان تحرير الموصل بداية لإعلان الهيمنة الإيرانية الكاملة على العراق.

وإذا ما استعدنا شريط الاحداث فإن قاسم سليماني لم يكتسب صفته قائدا تاريخيا للطائفة إلا بعد تحرير الموصل. يومها صار يظهر على الجبهات التي تقاتل فيها الميليشيات غرب العراق.

لم يكن الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص معنيين بمسألة العراق الإيراني. لقد تم الإيحاء بأن ذلك العراق لم يكن صناعة أميركية بل هو خيار العراقيين في مسألة تخصهم.

هي واحدة من أكثر الأكاذيب التي سيقف أمامها الضمير الإنساني متألما.

اليوم وقد استيقظت الإدارة الأميركية على فضيحة الاتفاق النووي مع إيران تأخذ الأمور منحى آخر.

فالعراق "الضحية" سيكون هو المنصة الأساسية التي ستسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى تحجيم دور إيران في المنطقة. وهنا يبدو منطقيا أنها ستكون مضطرة لتحريره من الهيمنة الإيرانية من أجل أن تحصل على موقع نظيف، يسمح لقواتها بحرية الحركة.

اليوم يمكن أن تكون الإدارة الأميركية محقة حين تتحدث عن تحرير العراق.

فاروق يوسف