بعض السياسيين وكثير من المدّونين اعتبر قبول بنكيران براتب تقاعدي من خارج ما أقرّ له القانون به كرئيس حكومة سابق هو بمثابة رشوة وشراء ذمّة ، الأمر الذي حمل شخصيات من حزب العدالة والتنمية للردّ على هذه الاتهامات. وشاركت نجلة بنكيران في المعركة مُبرّرة قبول والدها المنحة الملكية بعد تأكيدها على تعفّفه وزهده في الحياة ورغد العيش ، وكيف كان يتعفّف حين كان في المسؤولية في وقت كان بعض المسؤولين الذين هم دونه يستفيدون من الامتيازات التي تمنحها لهم مناصبهم ، في حين كان والدها بعيداً عن تلك الاستفادة.
على أية حال، يتمتّع الرجل بالشفافية والصراحة في القول التي تصل حدّ الصدمة والجرأة. وهو يتمتّع بشعبية عارِمة داخل حزبه كما يتمتّع بكاريزما محبّبة في الشارع المغاربي. ويُحسب له حمل حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى سدّة الحكومة وقيادتها في أدق مراحل التحوّل في البلاد، ونجاحه عن جدارة في قيادة حزبه في أعزّ لحظات الحرَج التاريخية التي مرّ فيها. 
في المقابل من المستغرب وغير المفهوم عند كثير من المغاربة كيف تنازل عبد الإله بنكيران عن حقّه وصلاحياته الدستورية كرئيس حكومة أمام تدخّلات المؤسّسة الملكية ، بما لا يسمح لها به الدستور الجديد الذي كُتب تحت ضغط الحراك الشعبي بعد احتجاجات 17 فبراير 2011. وكان يقرّ بنكيران بأنه تنازل عن بعض صلاحياته لصالح الملك عن حبّ وثقة بشخصية الملك.
لا ينتهي الجدل حول عبد الإله بنكيران عند هذا الملف. فممّا يُؤخَذ على الرجل هو تعقيبه بشكل يشبه التبرير بعض الأفعال المستهجنة والمستغربة خُلقياً من بعض قيادات حزب العدالة والتنمية. فقد شوهِدت نائبة عن الحزب وهي تحتفل حاسِرة الرأس (محجّبة سابقة) في أحد شوارع باريس المشهورة ضمن حفل شبابي بقدوم السنة الجديدة. كما شوهِد نائب آخر برفقة صديقة له وهما يتأبّطان بعضهما ما أوحى أنها خليلته قبل أن يصدر النائب توضيحاً يؤكّد أنها خطيبته وهو بصدد الزواج منها.
ردّ بنكيران على هذه الأفعال المستغرَبة من أعضاء الحزب بأنها تندرج في دائرة الحرية الشخصية للفرد، وأنّ الحزب لا يتدخّل عادة في خصوصيات أعضائه. فلكلّ عضو(ة) الحق في اختيار ما يراه مناسباً. فإذا رأت إحداهن أن الحجاب ليس فريضة إسلامية بعد أن كانت تعتقد بوجوبه، فمن حقها خلعه، وأمرها إلى الله. والسلوكيات الخلقية هي من الخصوصيات التي لا يريد الحزب التدخّل بها. ومضى في تبرير هذه التحوّلات بالقول: كنّا في حزب العدالة والتنمية نمتنع عن مُصافحة النساء، وها نحن اليوم نصافحهن بشكل طبيعي. 
الاستناد المنطقي الذي لجأ إليه بنكيران في تبرير بعض السلوكيات التي يُعتبر فعلها فسقاً وانحرافا خلقياً ومُسقطا للأهلية في أدبيات الإسلاميين، يذكّرنا بالاستناد المنطقي الذي لجأ إليه الشيخ الغنوشي حين سألته صحيفة فرنسية عن موقفه من المثلية الجنسية. فكان ردّه وفقاً لما نقلت الصحيفة: لا نريد التدخّل في خصوصيات الناس. الإسلام يجرّم هذا الفعل. والأعمال المنافية لقِيَم المجتمع وأخلاقياته هي من الحريات الخاصة التي ليس لأحد حقّ التنقيب والبحث عنها طالما بقيت في دائرة السريّة. والدولة بقوانينها هي مَن تتكفّل وتتعهّد بمعالجة هذه المواضيع.
الشاهد من الأمرين وتحديداً ما حاك بقبول بنكيران المنحة الملكية من ملابسات، كيف هي الحال التي يتطور فيها سلوك وأداء الإسلاميين في المغرب العربي. فهم أكثر حنكة سياسية وأقل أيديولوجية من إخوانهم في المشرق العربي. وإذا كان لهؤلاء مَن يبرّر هذا التطوّر المستهجَن (من الإسلاميين أنفسهم) بأنه تحت تأثير مراجعات عميقة للأدبيات الفكرية، فضلاً عما أكسبتهم الخبرة السياسية من نضوج في فَهْم المجتمع والدولة، إلاّ أن هناك من يتّهم الإسلاميين بأنهم مجرّد طلاب سلطة فقط. فالتي تحرّكهم فكرياً وسياسياً هي المصلحة الخاصة، ولو ادّعوا خلاف ذلك. 
بعيداً من التدخّل بالنوايا، وفي قراءة هادئة وغير مُتحيّزة، يمكن تفسير تطوّر المواقف السياسية لدى حزب العدالة والتنمية بأنها عملية انحياز مستمرة للتموضع ضمن قائمة الأحزاب العاملة في الدولة العميقة. فهي ترس في محرّك الدولة حالها كبقية الأحزاب السياسية على اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية. فتبرير الحزب قبول زعيمه السابق للمنحة المالية باعتبارها مكرمة ملكية من أمير المؤمنين، وبغضّ النظر عن حق بنكيران في قبولها باعتبارها هدية مشروعة في الإسلام، هو تطوير الحزب للفقه "التبريري" الذي يعكس ابتعاداً عن المفاهيم التي نشأ عليها. 
والأمر لا يُحصَر بهدية، لا تُعرَف هل قُدِّمت من خزينة الدولة أو من مال الملك الخاص؟، بقدر ما يطرح تساؤلات حول مفهوم الإسلاميين للدولة والمواطنة ولطبيعة العلاقة المفروضة بين الحاكم بالمحكوم في المجتمعات الحديثة. وهو يفتح باب النقد واسعاً عند خصوم الإسلاميين ومنافسيهم إذ يتشكّكون بقناعة الإسلاميين بدولة المواطنة رغم نضالاتهم السياسية ، فهم لا يعتبرون الشعب صاحب السيادة التي تمنح للحاكم شرعية الحكم بقدر اعتقادهم انه وليّ الأمر (بالمفهوم التاريخي) وطاعته واجبة. ومن حقّه المنْح والمنْع بما تقدّر رؤيته المصلحة في إدارة العباد والبلاد. والدفاع عن المؤسّسة الحاكمة، ملَكية كانت أو سلطوية أو انقلابية، طالما أنها على وئام مع الإسلاميين! 
مع استمرار هذا النهج يتحوّل الإسلاميون إلى ذراع أخرى شبيهة بالمؤسّسات الدينية الرسمية في دول العالم الإسلامي حيث لا عمل لها سوى ضبط المجتمع دينياً لحفظ سلطة الحاكم ومنح توجّهاته وقراراته الشرعية الدينية وتسويق قبوله في المجتمع ومنع التمرّد عليه.


محمد علوش