من علامات "المتناقض" أنه يقول الشيء وما يلبث يعمل بخلافه، وهذا بالضبط ما قام رئيس الوزراء سعد الدين العثماني، في لقائه المفتوح - الفضيحة المدوية -  الذي بث على صفحته الرسمية وتحول حينها إلى مسخرة اضطر معها "الأدمن" إلى إلغاء عشرات التعليقات بعد وقفه البث إلى أن انتهت الكلمات الافتتاحية. فالرجل لم يجد حرجا في مخاطبة المغاربة بلغة دولة أجنبية لا توجد أي وثيقة أو معاهدة تثبت أن بلدنا المغرب خاضع لوصايتها، غير أن بعض المسؤولين كالسيد العثماني مثلا، لم يستسيغوا بعد، ورغم مرور أكثر من ستين سنة على الاستقلال، أننا لسنا قاصرين حتى نخضع للغة ميتة متأخرة عن الركب، اسمها لغة فرنسا، أو نبقى تابعين لغويا وعقليا وروحيا لتلك الدولة البعيدة عنا والتي لا يربطنا بها أي جوار أو صك عبودية. ففي الوقت الذي تخوض فيه النخب الوطنية صراعا مريرا على عدة أصعدة لإسقاط مقترح "فرنسة" التعليم العمومي وضرب الهوية المغربية، وهدم آخر دعامات المدرسة الوطنية، ألا وهي اللغة العربية، وتكريس، في عقول الأجيال الصاعدة أن المغرب ملحقة تابعة لفرنسا، أو أنها "الحديقة الخلفية" التي يقصدها الفرنسي لقضاء حاجته والتنفيس عن نفسه، وفي وقت حكم القضاء المغربي ب"عدم قانونية اللغة الفرنسية في الإدارة المغربية" وكذلك، بتزامن مع مراسلته الشهيرة التي طالب فيها الوزراء وكتاب الدولة بالالتزام باستعمال اللغة الرسمية في التخاطب، تفاجأ المغاربة ب"خرجة" غريبة للسيد رئيس الحكومة، خلال لقاء ضخم بث على المباشر، حيث تم تحقير اللغة العربية بكل ما للكلمة من معنى، وبشكل متعمد من طرف المنظمين، بدء من الكلمات الافتتاحية والترحيبية المطولة التي لم يعترف منظموا اللقاء فيها باللغة الرسمية الأولى للبلاد، ولا بالسيادة الوطنية، وهو الوصف الذي سبق للقضاء المغربي أن تعامل به مع عدم مشروعية لغة فرنسا، إذ وصفها في أحد أحكامه بأن اللغة الفرنسية تمثل "انتهاك للسيادة الوطنية"؛ مع العلم أن المؤسسة التي احتضنت اللقاء تابعة للدولة المغربية، طبعا وليس لحكومة باريس، وبالتالي الالتزام باللغة الدستورية إجباري بقوة أسمى وأرفع قانون في البلاد.

وما زاد الطينة بلة هو تماهي رئيس الحكومة مع اللغة الأجنبية. فبدل أن يلزم مقدمي الحوار والمنظمين باحترام اللغة الرسمية، خاصة أن "المناظرة" تمت داخل مؤسسة تابعة للدولة، بمعنى أنها مجبرة قانونيا باستعمال العربية في التخاطب، وفي وقت ظهر مدير الحوار متشبثا ب"لغته" الأجنبية، لم يقوى رئيس الحكومة أمام شاب بعمر أحد أبناءه، ولم يجد من بد إلا الانصياع وراء لغة سبق له أن طالب وزراءه بعدم استعمالها، وهو يذكرهم بأحكام القضاء الصادرة ضدها، والتي جرمت (من التجريم) استعمالها في الإدارات.

 رئيس الحكومة يتحمل المسؤولية وراء هذه الاهانة التي وجهتها الجهة المنظمة للقاء، للشعب المغربي وللهوية الوطنية وللدستور الذي حدد اللغات الرسمية، كما أن انصياعه وراء لغة قضى القضاء المغربي بعدم مشروعيتها، وتنصله من التزاماته بشأن إلزامية اللغة العربية وسماحه للجهة المنظمة بفرض لغة أجنبية في لقاء رسمي، وداخل مؤسسة عمومية، يجعلنا نقف مندهشين أمام التناقضات الرهيبة لهذا الرجل، الذي خدع المغاربة، عندما قدم نفسه على أنه مدافع عن لغة المغاربة، ووعد خلال حضوره مؤتمر الائتلاف الوطني للغة العربية بالنهوض بلغة الوطن.. هذا إذن هو الدكتور العثماني، يتعامل مع المغاربة كما لو كانوا حالات داخل عيادته، فأمام دعاة التعريب منافح عن العربية، وفي حضن ضحايا الاستلاب الفرنكفوني محاضر "مفرنس" لا يجد أي خجل في أن يخاطبنا نحن المغاربة أصحاب اللغة العريقة ثالث أوسع لغة انتشارا في العالم، بلغة استعمارية ميتة تحتل ترتيبا مخجلا بين لغات التواصل الدولي، وحين أُصفها بـ"الاستعمارية" فان ذلك ليس بدوافع عاطفية سلبية، وإنما لأن حالة هذه اللغة في المغرب، ظلت بنفس الوضعية الاستعمارية التي كانت عليها إبان الحقبة الاستعمارية، وبما أن وضعها هذا لم يتغير بعد جلاء الاستعمار، فإنه بذلك، تنطبق عليها كافة أسباب المطالبة بإدراجها، لدى الأمم المتحدة، وفق بنود القانون الدولي، ضمن ملفات الاستعمار التي لم يتم الحسم فيها، وبما أننا تربينا على نبذ كافة أشكال الاستعمار، فاننا وبكل صراحة وبدون لف أو دوران، نقولها "على بلاطة" نحن لا نكن لهذه اللغة الاستعمارية الميتة إلا الكره والاحتقار، فبفضل التآمر الخارجي والتدخلات والعلاقات المشبوهة استطاع المستعمر القديم/ الجديد الإبقاء على أحد أشكاله الاستعمارية في بلدنا إلى اليوم، وبالتالي لا يمكن النظر باحترام، إلى لغة فقدت جميع موجبات الاحترام، ما إن تم تعهيرها، حيث جعلوا منها وسيلة لجلب "الفلوس" والسيطرة على الأسواق، كذاك فقدت كينونتها الإنسانية، كلغة إنسانية ذات غايات نبيلة. فلا تفرضوا علينا هذه اللغة غير الوطنية، عسى نحترمها ذات يوم.

ليس العثماني وحده رجل التناقضات في المشهد الحكومي، وليس وحده يستحق "جائزة التناقض الكبرى"، بل إن حزب العدالة والتنمية بكامله، يستحق أن نطالب بإدراج اسمه ضمن موسوعة "غينيس" طالما أنه حطم الرقم القياسي في التناقضات، وإذ لا يسع المجال لسرد هذه التناقضات، فاننا نكتفي بما يخص موضوع مقالتنا، وهنا نبسط أمامكم مظهرا فضيعا يتمثل في تشكيل الحزب لفريقين، حتى يتمكن من اللعب على الحبلين، فالفريق الحزبي الأول يزاول عمله ضمن صف المعارضة، ويتزعمه المقريء الإدريسي، الذي لا يكل من الدفاع عن قضية التعريب، موجها على الدوام فوهة مدفعه، لخصوم التعريب، والفريق الثاني يمارس الحكم، ولا يبخس الفرنسية "حقها" ويتزعمه الدكتور العثماني، حيث يشرع لها القوانين لتعميق سطوتها المذلة، ويمد لها الدعم المالي الكافي لمزيد من التمادي، وكذلك يحمي ويتستر على مسؤولي الإدارات المخالفين لأحكام القضاء في هذا الباب، ولا يحاسبهم أو يعرضهم على القضاء، بتهم تحقير الدستور والمراسلات الإدارية وإعاقة تنفيذ مقررات قضائية قضت بعدم قانونية هذه اللغة، وقد أكدت بالحرف أنها تمثل انتهاكا للسيادة الوطنية، فحسب القاعدة القضائية المعمول بها، يعاقب كل من أعاق بأي شكل من الأشكال تنفيذ أحكام قضائية أو حال دون تنفيذها.  

 عندما نتحدث عن مسؤول يمثل الدولة في شخص الحكومة ويمثل الدستور وينوب عن المغاربة، فان هذا المسؤول كان من المفروض أن يُلزم المنظمين باستعمال العربية وأن يتم التنسيق لذلك قبل بدء اللقاء، كما كان من المفروض على رئيس الحكومة أن يذكر منشط اللقاء بضرورة الالتزام باللغة الرسمية احتراما للدستور، لا أن يناقشوا مواضيع تهم الشعب المغربي بلغة شعب آخر يُقيم في بلد ينتمي لقارة غير هذه القارة.

إن مخاطبة المغاربة في لقاء ضخم مع رئيس الحكومة المغربية، بلغة أجنبية تسببت منذ عقود في خلق صراع داخلي، هي اهانة لا تغتفر وفضيحة مدوية، خاصة أنها تأتي في وقت يتزامن مع الصراع الذي تخوضه عدة هيئات سياسية ومدنية ونخب وطنية ضد محاولات ضرب اللغة العربية في قانون الإطار للتربية والتعليم، وكذلك غداة مطالبة رئيس الحكومة، بذاته، في مراسلته لمسؤولي الوزارات، بالالتزام باللغات الوطنية، وهو ما يعد تناقضا، يمثل في حد ذاته ضحكا على ذقون المغاربة.

إن من تابعوا اللقاء المذكور، على صفحة رئيس الحكومة، أكيد، أنهم وقفوا على حجم التعليقات التي استنكرت هذه الفضيحة والاهانة غير المبررة للغة الوطنية، في مقابلة بتت على الصفحة الرسمية لرئيس الحكومة، وسبقتها حملة إعلانية واسعة من طرف رئاسة الوزراء، وهو ما دفع إدارة الصفحة إلى قطع البث المباشر للكلمات الافتتاحية لما حملته من مهازل بكل المقاييس، ليزداد الوضع مأساة مع تعنت الجهة المنظمة، ورفضها التنازل لصالح لغة الشعب المغربي، وإصرارها على فرض أسئلتها ومداخلاتها بلغة بلد آخر، مُقابل انصياع رئيس الحكومة الذي أبان للأسف عن ضعف شخصيته وضعف مقاومته لحزب فرنسا النافذ في المغرب.

إن اللقاء المشئوم حمل نية مبيتة تستهدف اللغة العربية، وقد ظهر ذك من خلال الملصقات الإعلانية التي أثثت فضاء اللقاء، والذي ألغىيت منه اللغة العربية، وتم جعل الفرنسية كلغة أولى ضدا على سيادة البلاد. ونتساءل، هنا، كيف لرئاسة الحكومة أن تقبل على نفسها الاعتراف بلغة أجنبية، وداخل مؤسسة عمومية وفي لقاء موجه للمغاربة، في تناقض تام مع مواقفها السابقة بهذا الشأن. ولهذا نطالب السيد العثماني بتقديم اعتذار على صفحته. كما نطالب بالإسراع في إصدار قانون حماية وتمكين اللغة العربية الموضوع لدى مجلس النواب، والذي من بين بنوده، بند يلزم منظمي التظاهرات. باستعمال اللغة العربية، وأيضا تفعيل التزامته في هذا الشأن، وأن لا يضحك علينا بمراسلة يتيمة وجهها لوزرائه يحثهم فيها على استعمال العربية، بل عليه أن يُفعل تلك المذكرة بواسطة هيئة إدارية تكون تابعة لرئاسة الحكومة، تعمل على متابعة تنفيذ المراسلة المذكورة وتتلقى الشكاوى والابلاغات بهذا الشأن، وتقوم من تم بالتواصل مع المؤسسات والجهات المعنية في هذا الإطار أو تحيل تلك الشكاوى على القضاء في حال تعنت المعنيين بها، وفي هذا الإطار نثير عناية رئيس الحكومة أننا راسلناه عبر مركز حقوقي، مرتين في موضوع نتهاك اللغة الرسمية والووطنية، ولم نتلقى أي تجاوب، لحدود اليوم.   

إن مجرد معرفة أن الجهة الحقيقة المنظمة لهذا اللقاء المشئوم، هي ما يسمى "المعهد الفرنسي لعلوم السياسة" وان كان تحت يافطة "قدمائه"، بحد ذاته، مدعاة للارتياب والشك في الأهداف الحقيقية لتنظيم هذه المسرحية/ المهزلة، التي تحول فيها مجموعة مغاربة إلى ممثلين من درجة هواة، أجسادهم في المغرب وعقولهم واهمة في فرنسا. ففي أول اختبار لكفاءته وحنكته السياسية، سقط العثماني في شرك الفرنسيين الواقفين، في الكواليس، على تنظيم اللقاء، والذين أجبروا العثماني على الرضوخ للغة الدولة الفرنسية التي لا تريد أن تؤمن بأن المغرب ليس مقاطعة أو ملحقة تابعة لها، وأنه بلد له سيادة واستقلال، وله لغته العريقة جدا، وأن هذه اللغة هي حق إنساني لكل مغربي، ولا يحق لأي كان استبدالها بلغة أجنبية، وضعها في المغرب، لا يتعدى الحضور الشكلي المفروض بقوة خارجة عن القانون وعن المنطق، شأنهم في ذلك شأن الشعب الفرنسي الذي لا يقبل بسطوة لغة أجنبية كالانكليزية، أو الشعب الاسباني أو الايطالي أو غيرهم من الشعوب التي تعيش في بلدان ذات سيادة ترابية واستقلال في القرار. 

 

وفي الختام نتوجه بالتنويه لرئيس "حكومة الأمازيغ" وقد أعلن الرجل رسميا أنه "أمازيغي ويفتخر" فعلى من يفتخر يا ثُرى؟ هل على عرب البلاد؟.. العثماني تناسى أنه رئيس حكومة مغربي وكفى، بمعنى أنه "رئيس" لجميع المغاربة عربا وأمازيغا.. وقد اختار العثماني لقاء مُفرنسا لإعلان أنه رئيس حكومة أمازيغي، فانه غدا لن نتفاجأ بسماع "الحزب الأمازيغي" المناصر للزعيم الأمازيغي سعد الدين العثماني، كما لن نتفاجأ بالحزب العربي المناصر للزعيم العربي الفلاني، مثلما يحدث في العراق ما بعد الغزو الأميركي..

 

هكذا يحق لي أنا أيضا كمواطن مغربي، وعلى خطى العثماني، أن أقول بدوي أني "عربي وأفتخر" ولنا مقالة أخرى خاصة حول موضوع "أمازيغي وأفتخر"...   



نبيل بكاني