بدأتُ أعي بأنّ للموسيقى علاقةً بمملكة الروح منذ 13 سنة خلت، أي منذ بداية معرفتي بجوليان. وكان في اعتقادي، قبل هذا التاريخ، أن الموسيقى ألحان وكلام موزون وطرب و... ولا علاقة لكل هذا بتجليات الروح. لكن بعد أن صادقت جوليان، واستمعت مرارا وتكرارا لمعزوفاته الرائعة على آلة البيانو تبين لي منذ أول مقطوعة شنف بها مسامعي أن للروح أوتارا هي الموسيقى بعينها. الموسيقى وتر من أوتار الروح.

كان جوليان يقول لي دائما:

ـ هل تعلم أن داوود كان يترنم بمزاميره على أنغام الموسيقى؟ هل تعلم أن الموسيقى لم تأت من الفراغ، لكنها من وحي الأديان؟... انظر، مثلا، إلى رقص الدراويش... استمع إلى نايات الصوفيين والكمان الحزين لعاشق يعيش صدمة الفراق... استمع إلى أهازيج الأمازيغ في أعالي الأطلس أو إلى مناغاة الأم لرضيعها... هذه المناغاة أيضا موسيقى بامتياز...

وعندما كان جوليان يكلمني عن الموسيقى وعن تاريخها وأنواعها وأقسامها ومقاماتها، كنت ألوذ بالصمت التام ولا أنبس؛ فما زادي في هذا المحيط الشاسع غير استحسان لبعض الأغاني وعشق لبعض الأيقونات الصداحة أصواتها هنا وهناك...

وكان من عادته أيضا أن يمتدح البيانو، باعتبار أن من يجيد العزف عليه يستطيع أن يجني الكثير من المال في وقت قليل:

ـ نحن نسكن، يا مهدي، في بوردو والناس هنا تتذوق الموسيقى الراقية.. ولحسن حظي، أني أربح في ساعة عزف واحدة قرابة الثمانين أورو دون احتساب البقشيش. كان والدي يقول لي دائما: "دعك من المهن التقليدية: ساعي بريد، موظف، أجير في شركة... وامتهن الموسيقى... وأنت تعلم أني سأنال عما قريب الماستر في الموسيقى وأني عازم أن أسجل في الدكتوراه في التخصص نفسه... وبمجرد نيلي لشهادة الماستر سأتبارى لتدريس الموسيقى في السلك الثانوي...

ومرت أسابيع قليلة وكان لجوليان ما أراد، وانقطعت عني أخباره في السنوات الأخيرة؛ ولكنه ما زال حاضرا في البال ولعله خير... وقبل أيام قليلة فوجئت برسالة إلكترونية من جوليان.. وكان كعادته قوي التعابير فياض العواطف ذواقا للجمال؛ لكن هذه المرة، مع شيء من الأسى بصم رسالته إلي:

"عزيزي مهدي، سعيد لأني أتواصل معك، وآسف لأني لم أكتب لك طوال هذه السنوات. الموسيقى ما زالت ـ كما تعلم ـ توأم روحي وشغفي الأبدي وحبي الخالد. أنا، الآن، أدرس الموسيقى في إحدى الجامعات العريقة بشمال فرنسا. سعيد جدا بعملي ورسالتي في الحياة، وما زلت أربح من العزف على البيانو في السهرات الخاصة، إلى جانب كتابات علمية في المجال نفسه. سعيد بكل هذا. لكني، ربما مثلك وأنت أيضا رجل تعليم (علمت ذلك من الفيسبوك)... لكنني حزين لحال الكثير من شبابنا الذين لم يعد يهمهم من التعلم سوى الشهادة عوض تهذيب الروح وبناء الشخصية وتذوق الجمال... إن كثيرا من طلبتي فاترو الحماس ولا تهمهم في نهاية التحصيل سوى ورقة اسمها شهادة علمية. إن هذه الشهادة لا تساوي سوى الحبر الذي كتبت به. إن التعلم الحقيقي فوق كل الشهادات. إنه عشق وإبداع وسعي دائم إلى الجمال"...

لا تحزن، يا جوليان. أنت موسيقي وفنان أصيل. حسبك أن يستمع لك البيانو ويرسل في الكون ألحانا يطرب لها الوجدان. لا تكترث لمن يريد أن يتعلم فقط بعيدا عن العشق، بعيدا عن قداسة الجمال والروحانية اللانهائية للموسيقى. شكرا على كل شيء، وشكرا لرسالتك الطيبة التي أعادتني إلى سنوات جميلة خلت...

الموسيقى حياة. الموسيقى حب للحياة. الموسيقى لغة لا تنتهي وصلوات في محراب الجمال. الموسيقى روح في روح. الموسيقى وتر من أوتار الروح..


 

مهدي عامري