حقق المغرب تقدما بثلاث نقاط في مؤشر إدراك الفساد لعام 2018 الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية صباح يوم الثلاثاء 29 يناير 2019، منتقلا من النقطة 40/100 سنة 2017 إلى 43/100 سنة 2018، ومسجلا بذلك تحسنا في ترتيبه من الرتبة 81/180 إلى 73/180 في نفس الفترة. وهو تقدم مرحب به، لكن لا يمكنه إخفاء حقيقة أن سياسات مكافحة الفساد بالمغرب تعاني من تعثر مستديم بسبب عدم القدرة على تحويل التعهدات إلى برامج ناجعة، وبطء تفعيل مؤسسات الحكامة، ومحدودية الموارد والقدرات.

ومن أجل إعطاء نفس جديد لهذه السياسات، عين الملك محمد السادس في 13 ديسمبر 2018 رئيسا للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وذلك بعد سبع سنوات على التنصيص على هذه المؤسسة في دستور 2011 وبعد أكثر من سنتين من إطلاق الحكومة المغربية الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. وقبل ذلك بسبعة أشهر انعقد بالرباط الاجتماع الأول للجنة الوطنية لمكافحة الفساد، واعتبر رئيس الحكومة أن هذا الاجتماع يشكل انطلاقة فعلية لعمل هذه اللجنة التي سيكون أحد أبرز مهامها تتبع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. وتهدف هذه الاستراتيجية، التي تمتد على مدى 10 سنوات (2015-2025) إلى جعــل الفســاد فــي منحــى تنازلــي إلى حدود النصف؛ وتحســين ترتيب المغرب فــي التصنيفــات الدولية المتعلقة بهذا المجال أملا في تعزيز ثقة المواطنين من جهة، وثقة المجتمع الدولي في المغرب بوصفه بلدا مستقرا، غير متسامح مع الفساد من جهة أخرى. ويعكس هذا التحول إحساسا متناميا في أوساط المجتمع السياسي والمدني على حد سواء برسوخ ظاهرة الفساد واستفحالها، وبانعكاساتها السلبية على التنمية وعلى الثقة في المؤسسات. ولكن بالرغم من الوقع الإيجابي لإطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وبالرغم من وجود خطاب ونوايا سياسية سابقة ومعبر عنها باستمرار، فإن معدلات الفساد في المغرب لم تتراجع، وشهدت الحصيلة المتدنية للمغرب في المؤشرات العالمية للفساد جمودا مزمنا. وهو ما يعكس الطابع “الممأسس” للفساد في الحياة العامة المغربية.

بشكل عام، هناك أربع تحديات تعيق سياسات مكافحة الفساد في المغرب: التحدي الأول مرتبط بجدية الإرادة السياسية لمحاربة الفساد. التحدي الثاني يرجع إلى الاختلالات والنواقص على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي وضعف الأداء المؤسساتي في هذا الشأن، ولا سيما محدودية فعالية النظام الوطني للنزاهة بوجه عام، وعلى مستوى منظومة المحاسبة بوجه خاص. والتحدي الثالث يتمثل في الضعف المسجل على مستوى الموارد والقدرات، والبطء في تفعيل مؤسسات الحكامة، والخلط بين تحسين الحكامة ومحاربة الفساد. والتحدي الرابع والأخير يتمثل في الصعوبات الملحوظة على مستوى إدماج المجتمع المدني في الجهود الرسمية، وكذا شيوع ثقافة التطبيع مع الفساد. وكل ذلك على الرغم من أن الخطاب الرسمي يتحدث عن جهود مبذولة وبرامج مسطرة وإجراءات متخذة على كافة المستويات السياسية والقانونية والإدارية، شرع فيها منذ الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في الندوة الوطنية حول دعم الأخلاقيات بالمرفق العمومي المنعقدة بتاريخ 29 أكتوبر 1999.

تسعى هذه الورقة إلى تفسير الأسباب وراء تعثر سياسات مكافحة الفساد في المغرب، لا سيما المرتبطة بالإرادة السياسية وتحويل الخطب والتعهدات إلى برامج وإجراءات عملية، وكذا التحديات على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي لأجهزة الحكامة ومكافحة الفساد، ثم أخيرا القضايا المرتبطة بالموارد والقدرات؛ كما تقدم توصيات واقتراحات في أفق تجويد نتائج سياسات مكافحة الفساد، وتحسين ترتيب المغرب في التصنيفات الدولية ذات العلاقة.

المراحل الثلاثة لسياسات مكافحة الفساد

لقد كان الحديث عن موضوع الفساد من المحرمات في المغرب الرسمي حتى النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، وبالضبط حتى قدوم حكومة التناوب التوافقي بزعامة عبد الرحمان اليوسفي (الوزير الأول الاشتراكي: 1998-2002)، الذي عمل على فتح هذا الملف مدشنا المرحلة الأولى من سياسات مكافحة الفساد في المغرب، مما استدعى استجابة من طرف الدولة ومؤسساتها. غير أن اليوسفي لم يعلن أية استراتيجية هجومية في المعركة ضد الفساد، مع أن عهده شهد ميلاد الميثاق الوطني لحسن التدبير وكذا إطلاق خطة وطنية لتعزيز الشفافية والنزاهة في الإدارة العمومية. وكان حصاد هذه المجهودات حصول المغرب سنة 2000 على أحسن نقطة وترتيب، منذ ذلك الوقت حتى الآن، في المؤشر العالمي لإدراك الفساد. لكن طيلة فترة حكومة جطو (2002-2007) عرف الترتيب المغربي هبوطا متواصلا، على الرغم من أن هذه الفترة سجلت توقيع المغرب على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد (2003)، والمصادقة عليها بتاريخ 9 مايو 2007.

فيما انطلقت المرحلة الثانية (فترة حكومة عباس الفاسي: 2007-2012) بشروع المغرب في تنفيذ خطة ملاءمة بين مقتضيات الاتفاقية الدولية الآنفة الذكر وتشريعاته الوطنية، ابتداء من نشرها بالجريدة الرسمية بتاريخ 17 يناير 2008. كما شهدت هذه المرحلة حدثا بارزا وهو تفعيل دور المجلس الأعلى للحسابات في التصدي لمظاهر سوء التدبير والفساد الإداري والمالي. وبالفعل، ومع أن المغرب لم يتحسن وضعه في الترتيب العالمي، فقد كان التحول الأساسي في استراتيجية الدولة في مجال محاربة الفساد هو التفعيل العملي للمجلس الأعلى للحسابات ابتداء من سنة 2007، على عهد الرئيس الأول السابق أحمد الميداوي. فتبوأ المجلس وبسرعة مكانة الصدارة ضمن الأعمدة الأساسية في منظومة النزاهة بالمغرب[3]، نظرا لامتلاكه دراية بحقائق التدبير الإداري والمالي العمومي، بحيث تكون لملاحظاته وتوصياته التدقيقية أثر في التنبيه والوقاية من الفساد من جهة، ولإحالاته على القضاء الجنائي للملفات التي يشتبه في طابعها الجنائي دور في ردع ومكافحة الفساد من جهة أخرى. كما يملك أيضا القدرة القانونية على المساءلة التأديبية المالية للمخالفات التدبيرية التي لا تكتسي صبغة جنائية، لكنها تشكل مدخلا لسوء الإدارة وهدر المال العام.

واتخذت الحكومة إجراءات عقابية بحق بعض المسؤولين الإداريين الواردة عنهم ملاحظات في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن بعض حالات المتابعة الجنائية بالاستناد إلى أشغال اللجنة التي أحدثها وزير العدل السابق، والتي اشتغلت على التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات. كما أن تخويل المجلس صلاحية مراقبة حسابات الأحزاب وإنجازه لتقارير خاصة بالموضوع، وتخويله الثقة والمسؤولية فيما يخص ضبط ومتابعة التصريحات بالممتلكات وفقا لقانون جديد صدر سنة 2009 في هذا الشأن، كل ذلك أدى إلى تزايد الطلب على دور المجلس من قبل المجتمع السياسي والمدني، وإلى تفاعل متصاعد مع تقاريره، وترقب مستمر من الرأي العام لصدورها، مع طرح تساؤلات حول المآلات المخصصة لها.

وحديثا، اعتمد الملك على تقرير للمجلس الأعلى للحسابات في اتخاذ قرارات عقابية سنة 2018 اصطلح عليها ب “الزلزال السياسي”، همت بعض الوزراء وكبار المسؤولين بوزارة الداخلية على خلفية الاختلالات التي سجلت في برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”.

لكن وبالرغم من هذه المجهودات، فإن سياسات مكافحة الفساد لم تستثمر كثيرا المناخ السياسي الملائم في أعقاب دستور 2011، ومن حالة التعبئة الوطنية ضد الفساد التي تمخضت عن تفاعلات الحراك الشعبي. وظلت تلك السياسات تشكو من غياب رؤية استراتيجية عملية وبعيدة المدى، مجسدة في خارطة طريق محددة الأهداف والمواقيت. وقد تجلى ذلك في تأخر إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي لم يعلن عنها إلا في نهاية عهد حكومة عبد الإله بنكيران (2012-2017)، ولم يشرع في تنفيذها عمليا إلا في سنة 2018، بعد أن تسلم خلفه سعد الدين العثماني المنتمي لنفس الحزب رئاسة الحكومة. ويمكن اعتبار تاريخ بداية تنفيذ الاستراتيجية المذكورة بمثابة إشارة الانطلاقة للمرحلة الثالثة في سياسات مكافحة الفساد في المغرب.

فكيف يمكن تفسير هذا البطء؟

المكتسبات المؤسساتية والقانونية

يعلن الخطاب الرسمي أن الدولة تتوفر على الإرادة السياسية لمحاربة الفساد، ويستشهد على ذلك بمضمون الخطب الملكية، والمصادقة على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد؛ ومراجعة الدستور سنة 2011 متضمنا عدة مبادئ ومؤسسات يمكنها تشكيل ما يطلق عليه الإطار المؤسساتي للنظام الوطني للنزاهة؛ والتصريحات والبرامج الحكومية، ومجموعة من الإجراءات التقنية، فضلا عن ترسانة من القوانين. ومع ذلك تعترف الدوائر الرسمية المغربية بصعوبة التقدم العملي ومحدودية النتائج قياسا مع الطموحات.

تنطوي الكثير من الخطب الرسمية الملكية على دعوة مستمرة لتمثل قيم الحكامة الرشيدة ولتنزيل آليات المراقبة والمحاسبة والتقييم وإنفاذ القانون، ومحاربة الفساد في جميع القطاعات والمجالات. وقد كان آخرها وأعلاها نبرة خطاب العرش بتاريخ 29 يوليو 2017، الذي دعا فيه الملك إلى التفعيل الصارم لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. وعلى إثر هذا الخطاب، تم إعفاء عدد من الوزراء والمسؤولين التابعين لوزارة الداخلية بمختلف درجاتهم. ويمكن وصف المقاربة التي تم اعتمادها في تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشأن ملف “الحسيمة منارة المتوسط” بأنها مقاربة مبنية على إعطاء القدوة أو تقديم المثال من أعلى إلى أسفل. ثم أعاد الملك محمد السادس بتاريخ فاتح يوليوز 2018 التأكيد على أن محاربة الفساد ينبغي أن توضع في صميم الأولويات، طالما أنه يشكل أكبر عقبة تعيق جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحد من طموح الشباب من خلال رسالة موجهة إلى القمة الـ 31 للاتحاد الإفريقي، قائلا ما نصه: “الفساد يساهم في الانحراف بقواعد الممارسة الديمقراطية، وفي تقويض سيادة الحق والقانون؛ كما يؤدي إلى تردي جودة العيش، وتفشي الجريمة المنظمة، وانعدام الأمن والإرهاب”.

أما حكومة عبد الإله بنكيران فعملت على اتخاذ مجموعة من التدابير، فتم إحداث الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي حلت محل الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة؛ حيث تعززت استقلالية الهيئة واتسعت صلاحياتها لتشمل التحقيق والزجر، وتم تجديد الإطار المؤسساتي لمجلس المنافسة، الذي بات يتوفر على صلاحيات واسعة وتقريرية، بعد أن تمت دسترته على غرار هيئة النزاهة؛ وتم تكليفه بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة. وقامت الحكومة بمراجعة النص القانوني المنظم للصفقات العمومية، بإدخال مجموعة من التعديلات الكفيلة بضمان المزيد من الشفافية وتكافؤ الفرص. وتم تبسيط الإجراءات المتعلقة بتراخيص البناء والسكن. ومن جهة أخرى تم تفعيل مجموعة من القوانين التي تتوخى محاصرة الفساد؛ كقانون مكافحة غسل الأموال وقانون التصريح الإجباري بالممتلكات وقانون حماية الضحايا والمبلغين والشهود. وتم الشروع في إصلاح القضاء وتخليق منظومة العدالة، وتحديث الإدارة القضائية.

حدود سياسات مكافحة الفساد

رغم كل الترسانة القانونية والمنظومة المؤسساتية وحزمة الإجراءات التي حققتها الدولة، فإن الفساد مازال مستشريا بالمغرب، مخلفا آثارا وخيمة اقتصادية واجتماعية ومعنوية على مستوى صورة المغرب. إذ تقدر الخسائر بما يتراوح بين 5% و7% من الناتج الداخلي الخام، أي ما لا يقل عن ربع ميزانية الدولة وثلاث مرات ميزانية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. كما شكلت وما تزال موجات الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية صدى لعدم الرضا الشعبي بخصوص نزاهة وحسن تدبير الشأن العام بالمغرب. وتؤكد ذلك مجموعة من التقارير الوطنية والدولية وعلى رأسها مؤشر إدراك الفساد السنوي الذي تصدره منظمة ترانسبرانسي الدولية؛ وبحسب آخر تقرير للمنظمة صدر سنة 2018، ويهم سنة 2017، حصلت الدول العربية، باستثناء الإمارات وقطر، على مؤشرات متدنية في محاربة الفساد. فحصلت السعودية على 49 %، مقابل 44% لسلطنة عمان، و42% لتونس، بينما حصل المغرب على 40% فقط وجاء في المرتبة ال 81 بين دول العالم المعتمدة في المؤشر، وحل ثانيا بعد تونس على مستوى منطقة المغرب العربي.

تطور مؤشر إدراك الفساد في المغرب منذ تسلم حكومة ما بعد دستور 2011 السلطة

السنة 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018

المؤشر 36 37 39 36 37 40 43

الترتيب العالمي 88 91 88 88 90 81 73

المصدر: تقارير ترانسبارانسي الدولية

يطرح الترتيب المتدني للمغرب على مستوى مؤشر الفساد سؤالا رئيسيا بشأن مدى فعالية ونجاعة السياسات التي تم اتباعها في الماضي، وكذا بشأن جدية الفاعل السياسي في محاربة الفساد في المغرب. فالاستراتيجية التي اتبعتها الدولة حتى الآن، تتسم بالسير وفق إيقاع بطيء وبكونها تقوم على التحسيس أكثر مما تقوم على الزجر.

بشكل عام، يمكن تحديد أسباب ضعف الاستراتيجية التي اتبعتها الدولة في مكافحة الفساد في المعيقات التالية:

– صعوبة تفعيل الإرادة السياسية؛

– ضعف تمثل المعايير الدولية من قبل أجهزة الحكامة ومكافحة الفساد؛

– نقص في الموارد والقدرات وبطء في تفعيل المؤسسات.

صعوبة تفعيل الإرادة السياسية

تعترض المسار التنفيذي لاستراتيجية الدولة في محاربة الفساد معيقات سياسية بنيوية تعود بشكل أساسي إلى تقاعس الأحزاب السياسية في الانخراط فيها ومحاولات التستر -أحيانا- على المؤاخذات المنسوبة لأعضائها، وإلى غياب التوافق السياسي في هذا الخصوص.

ومنذ أن بدأ المجلس الأعلى للحسابات بنشر تقاريره الرقابية بما فيها تلك المتعلقة بفحص حسابات الأحزاب وطرق صرفها للدعم العمومي المقدم لها، هاجمت بعض الأحزاب السياسية المجلس متهمة إياه بتجاوز اختصاصاته وبسلوك نهج الانتقائية في الرقابة والمحاسبة… فعبد الحميد شباط الأمين العام السابق لحزب الاستقلال سبق له منذ سنة 2008 أن وصم في تصريح مثير قضاة المجلس الجهوي للحسابات بفاس بالإرهابيين، فيما عبر الناطق الرسمي لنفس الحزب سنة 2014 عن موقف يتهم المجلس بتجاوز اختصاصاته والتدخل في الشأن السياسي على خلفية الانزلاقات التي كشفها المجلس في تدبير قطاع الأدوية في عهد الوزيرة الاستقلالية ياسمينة بادو، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 2012 قد طرح سؤالا برلمانيا لوزير العدل بخصوص ما أسماه “الانتقائية في الملفات المعروضة على القضاء، والسرعة في البت في بعضها دون الأخرى”، وذلك على خلفية اعتقال القيادي في الحزب خالد عليوة بشأن الانزلاقات المسجلة في تدبيره الإداري والمالي لمؤسسة القرض العقاري والسياحي. كما دعا حزب العدالة والتنمية المجلس الأعلى للحسابات إلى اعتماد إستراتيجية واضحة في المراقبة، وأعاد الكرة نفس الحزب خلال شهر ديسمبر 2018 متهما رئيس المجلس بالتقييم السياسي لعمل الحكومة، على خلفية الانتقادات التي تضمنها عرضه السنوي أمام البرلمان، والتي همت سياسات الحكومة في تدبير المديونية والقطاع الاجتماعي. فيما أكدت تقارير المجلس على غياب الحكامة المالية الرشيدة لإدارة أغلب الأحزاب السياسية. وفي مستوى آخر تحول موضوع مكافحة الفساد إلى موضوع للمزايدات بين الأحزاب السياسية: ففريق الأصالة والمعاصرة الحزب الأول في المعارضة، يعتبر أن فشل سياسات مكافحة الفساد هو فشل تتحمله الحكومة وحدها وأحزابها، وأن “الإرادة الحقيقية غير موجودة لديها لمحاربة الفساد، مذكرا بأن رئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران (2012-2017) سبق له أن صرح أكثر من مرة بأن الفساد يحاربه، وليس هو الذي يحارب الفساد، كما أنه أشهر الراية البيضاء تجاه الفساد”. وقد كان لمقولة عفا الله عما سلف التي أدلى بها رئيس الحكومة السابق في حوار مع قناة الجزيرة سنة 2012، صدى سلبيا وخلفت موجة من الانتقادات والشكوك حول قدرة الحكومة ورغبتها الفعلية في تحويل التعهدات إلى سياسات عملية ناجعة.

ضعف تمثل المعايير الدولية من قبل أجهزة الحكامة ومكافحة الفساد

رغم ما يبدو من إرادة حسنة تتمثل في مجموعة من المساعي والإجراءات التي قامت بها الحكومة، إلا أنها تظل محدودة وغير فعالة. وأحد أهم الأسباب يتجلى في ضعف تمثل المعايير والممارسات الفضلى الدولية لحسن سير أجهزة الحكامة ومكافحة الفساد، ولا سيما فيما يخص الاستقلالية والحرية في العمل والموارد والقدرات، وضعف التواصل والتنسيق فيما بينها وفي علاقاتها مع كل من الحكومة والبرلمان والقضاء. وتتمثل أبرز المعايير “الكامنة”، أي التي لم تتحقق بعد، أو أنها محدودة أو غير مستكملة التفعيل، فيما يلي:

– بخصوص استقلال وفعالية هذه الأجهزة: غياب أو محدودية مقتضيات التطبيق الفعلي لعناصر إطارها القانوني والمؤسساتي؛ والسلطات والصلاحيات الفعلية بالقدر الكافي؛ والحرية الكاملة في وضع البرنامج السنوي والاضطلاع بجميع الوظائف والمهام المخولة لها قانونا؛ والحق الكامل في الولوج إلى المعلومات؛ والحق والواجب في نشر جميع نتائج أعمالها؛ وأخيرا وليس آخرا في الآليات المناسبة لتتبع التوصيات وضمان عدم الإفلات من العقاب بصدد المخالفات المضبوطة.

– بخصوص شفافية هذه الأجهزة ومسؤوليتها: يلاحظ أن هذه الأجهزة لا تنشر استراتيجيتها المحددة الأهداف والميزانية والجدولة الزمنية، ولا تقارير التدقيق المستقل لماليتها؛ والتقييم الخارجي أو بواسطة النظراء لمنجزاتها. كما أنها لا تنشر معلومات مقنعة عن مدى التزامها المعايير المهنية الموضوعية في انتقاء تدخلاتها، مما يغذي الشكوك والتصريحات حول نزاهة هذه التدخلات.

وهكذا، وبالرغم من أن المغرب يتوفر على العناصر الأساسية لمنظومة معيارية ومؤسساتية عصرية نسبيا، لكن تبقى مسألة الفعالية العملية لمنظومة الحكامة ومكافحة الفساد من أهم أسباب ضعف سياسات محاربة الفساد؛ والتي يمكن تفسيرها من خلال التحديات الخمسة الأساسية التالية:

– أولا: تعدد الهيئات والأجهزة في غياب إطار مؤسساتي للتنسيق والتعاون ولا سيما بين هيئات الرقابة الداخلية والخارجية (المفتشيات العامة للوزارات والمفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات) من جهة والبرلمان والقضاء من جهة أخرى، وهو ما يصعب إمكانية التنسيق والتواصل الوظيفي المطلوب بين هذه المؤسسات التي تتشارك نفس الهدف الاستراتيجي.

– ثانيا: شيوع ثقافة رقابية غارقة في النظامية والمطابقة ومبنية على تقديس الوثيقة والقاعدة المكتوبة الشكلية على حساب النتيجة والأداء. ولا يعرف بالضبط ما هي القيمة المضافة للتوصيات الصادرة عن مؤسسات الحكامة ومكافحة الفساد في تجويد مردودية الإدارة العمومية وفي الحد من تبذير المال العام والاعتداء عليه، في غياب نظم وآليات “قياس الجودة”؛ فالمؤسستان المعنيتان بإصلاح الحكامة الإدارية والمالية (“الوسيط” والمجلس الأعلى للحسابات) مثلا، لم تصدرا أية دراسة تقييمية لفوائد التقارير التي أصدرتاها على مستوى فعالية وآثار الأعمال المنجزة من قبلهما، أي أنهما تقفان عند حد الإفراج عن المخرجات من ملاحظات وتوصيات ولا تتعديان ذلك إلى مستوى تقييم أثر تلك الأعمال وفق مقاربة “القيمة والفوائد”.

– ثالثا: شفافية محدودة ونتائج دون التوقعات بخصوص عملية إنفاذ القانون بشأن المآلات المخصصة للقضايا المتعلقة بجرائم الفساد المضبوطة والمحالة على القضاء مما يشيع جملة من التساؤلات في أوساط الرأي العام بصدد جدية الالتزام بمبدأ عدم الإفلات من العقاب.

– رابعا: عدم التمييز بين الملاحظات المتعلقة بسوء تدبير المؤسسات والبرامج والمشاريع العمومية، والتي ينبغي ترتيب جزائها الإداري والسياسي، وبين المخالفات والانزلاقات التي تكتسي طابع الجرائم والاختلاسات، والتي ينبغي متابعة مقترفيها جنائيا، الأمر الذي يؤدي للخلط بين مفهوم الحكامة ومفهوم محاربة الفساد أوبين تصحيح اختلالات التدبير وبين زجر الفساد في تدبير الشأن العام، أو بعبارة أخرى بين المقاربة الوقائية والمقاربة الزجرية لسياسات مكافحة الفساد، فالمجتمع يركز على الزجر والجهات الرسمية تركز على الوقاية، وكأننا أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما الإفلات الكلي من العقاب أو الزجر الجنائي الكلي.

– خامسا: المعيقات الثقافية المتمثلة في رسوخ سلوك تطبيعي مع الفساد في الوعي الجمعي لقطاعات معتبرة من المجتمع تعبر عنها مقولات شعبية شائعة من قبيل: (اللي ماعندو فلوس كلامو مسوس)، (اذهن السير يسير)، يزيد في استفحاله الصعوبات التي تعترض إدماج المجتمع المدني في الجهود الرسمية، وشكاوى جمعياته من بعض المضايقات ومن ضعف الموارد والإمكانيات.

نقص في الموارد والقدرات وبطء في تفعيل مؤسسات الحكامة

علاوة على مسألة جدية الإرادة السياسية والتحديات المؤسساتية والثقافية، تعتبر مسألة الموارد البشرية والمادية والمالية المناسبة والقدرات المؤسسية والتدبيرية لأجهزة الحكامة ومكافحة الفساد أحد التحديات الأساسية وراء بطء سياسات مكافحة الفساد في المغرب. فعلى سبيل المثال، يتوفر المجلس الأعلى للحسابات حسب إحصائيات سنة 2017 على 324 قاضيا فقط و34 ملحقا قضائيا، لمعالجة كم هائل من الحسابات والمؤسسات والبرامج والمشاريع العمومية؛ فضلا عن مهام المساعدة للأجهزة الدستورية الأخرى كالبرلمان والقضاء.

أما الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها فهي عمليا مجمدة، وتركيبتها لم تنصب بعد، ولم يملأ شغور منصب رئيسها إلا في شهر ديسمبر 2018. وذلك على الرغم من دخول قانونها الجديد حيز التنفيذ. كما أن المقتضيات النهائية لقانونها الأساسي الجديد هي مقتضيات غير كافية فيما يخص سلطات الهيئة وقدراتها على النهوض الفعال بمهمة مكافحة الفساد، حيث سجل فارق واسع بين الصيغة الطموحة للنص الدستوري والصيغة المحتشمة للنص القانوني. وأما مجلس المنافسة، فهو بدوره مجمد وقانونه الجديد غير مفعل، ولم يصدر أي تقرير منذ سنة 2014، ولم يتم تعيين رئيس جديد له إلا في شهر نونبر 2018. بينما كان وجود ودور مجلس المنافسة مطلوبا بإلحاح في سياق تفاعلات ظاهرة المقاطعة لبعض الشركات.

كما أن جهاز القضاء مازال في طور إعادة البناء والإصلاح، وهو يشكو بدوره من ضعف الموارد البشرية تبعا لما جاء في أول تقرير للمجلس الأعلى للسلطة القضائية صدر سنة 2018. ولكل ذلك، لم يكن من قبيل المفاجأة أن يؤكد آخر تقرير لمنظمة ترانسبرانسي الدولية نشر في بداية سنة 2018 أن المغرب مازال ضمن الدول التي تعاني من جمود “مزمن” في مؤشر إدراك الفساد، على مدى السنوات الأخيرة. كما أقر سعد الدين العثماني رئيس الحكومة الحالي أن مرتبة المغرب في هذا المجال “ما زالت متدنية، ولم يتحقق فيها التقدم الكافي”.

وقد كان من الطبيعي والحالة هذه، أن ينتج عن هذه التعثرات المؤسساتية اهتزاز للثقة الوطنية والدولية في قدرة المغرب على خوض معركة مكافحة الفساد، حيث يبدو للمراقبين والمهتمين كمن يقوم بخطوات يغلب عليها الطابع الرمزي، “وتدخل في نطاق إعلان النوايا دون تفعيل على مستوى الواقع” حسب الكاتب العام السابق لترانسبرانسي المغرب، هذا مع العلم أن كسب رهان التغلب على الفساد رهين بتوفر أسلحة استراتيجية ثلاثة وهي: الإرادة السياسية الجادة والشروط المؤسساتية المناسبة والموارد والقدرات الكافية.

خلاصة عامة وتوصيات

سيكون من الصعب على المغرب الإيفاء بالتزاماته الدولية في مجال مكافحة الفساد من خلال التقدم السريع على مستوى آلية استعراض نتائج تطبيقها، قدما نحو تسلق المراتب في التصنيفات الدولية للنزاهة، من خلال تدابير تقنية أو مشاريع معزولة، ما بقيت الفعالية النسقية للنظام الوطني المغربي للنزاهة محدودة ومردودها ضعيفا؛ وعلى ضوء هذه الخلاصة البنيوية، فإن ما تقدمه السياسات العمومية لمكافحة الفساد حتى الآن، ومع الأخذ بعين الاعتبار بعض المبادرات الخجولة والإجراءات العقابية المحدودة، يعطي الانطباع -حسب منظمة ترانسبرانسي- وكأننا أمام “خطابات أو تصريحات رمزية أو حملات للتوعية لم تعد تثير الكثير من الانتباه، أو أنها صادرة عن إرادة حسنة لكن تكبحها غياب الاستقلالية والحرية في العمل أو الإمكانيات”.

ووعيا من الدولة المغربية بأن فعالية سياسات مكافحة الفساد رهينة بالفعالية النسقية للنظام الوطني للنزاهة، وبأن فعالية هذا الأخير رهينة بتفعيل أعمدته واستكمال بنيانه وتصليب معماره، صدرت قرارات ملكية جديدة خلال شهري نونبر وديسمبر 2018. وتمثلت هذه القرارات الهامة في تعيين رئيس جديد لمجلس المنافسة وما تلاه من تعيين لأعضائه، ثم ملء شغور منصب رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وتعيين رئيس جديد لمؤسسة الوسيط. وقد ترافقت هذه التعيينات مع توجيهات ملكية صريحة تدعو على الخصوص للتنسيق المؤسساتي لجهود مكافحة الفساد وإعمال آلية الزجر عبر تحريك المساطر القانونية والقضائية. وهي تطورات تسير في الاتجاه الصحيح؛ وتنبئ بإمكانية تجويد حكامة ونتائج سياسات مكافحة الفساد في المستقبل المتوسط والبعيد.

تأسيسا على ما سبق من ملاحظات ودروس مستفادة، توصي هذه الورقة العلمية صانع القرار السياسي المغربي وباقي الأطراف صاحبة الشأن بالعمل في اتجاهين: الأول يخص التوجه السياسي العام، والثاني يخص السياسات العملية.

– توصية سياسية عامة:

من أجل كسب النقاط في معركة التغلب على الفساد ينبغي توفير شرط مسبق بديهي وهو رص الصفوف، وجعل المعركة معركة وطنية بامتياز. تنخرط فيها الدولة والمجتمع السياسي والمدني والمواطنون والشركاء الدوليون، وذلك من خلال نزع الطابع السياسوي عن موضوع مكافحة الفساد وإخراجه من سوق المزايدات السياسية. ومن خلال العمل على تشكيل تكتل عريض وتوافق سياسي واجتماعي واسع يؤطره ميثاق وطني لمكافحة الفساد؛ باعتباره سندا مرجعيا مسبقا وضروريا لنجاح واستمرارية ورسوخ أية سياسات جادة لمكافحة الفساد.

توصيات فيما يخص السياسات العملية

– التسريع بتطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد من خلال تفعيل الدور التنسيقي للجنة الوطنية لمكافحة الفساد، ومن خلال تمكين أصحاب الشأن بما فيهم المجتمع المدني من تتبعها وتقييمها واستخلاص الدروس والعبر من أجل التقدم الجماعي والتشاركي في درب مكافحة الفساد. بالموازاة مع ذلك يتعين متابعة عملية المراجعة والتنقيح للإطار القانوني والمؤسساتي وتدعيم موارد وقدرات مؤسسات الحكامة ومكافحة الفساد؛

– تفعيل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها وتقوية إطارها القانوني والمؤسساتي الحالي، ورفدها بالموارد المالية والبشرية والقدرات لتتمكن على الخصوص، من تتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد؛ وتجسير العلاقة بينها وبين كل من أجهزة الرقابة الداخلية والخارجية (لا سيما المجلس الأعلى للحسابات) من جهة والقضاء من جهة أخرى؛ وكذا الإسراع بتفعيل مجلس المنافسة؛ فضلا عن مضاعفة الجهود في مجال إنفاذ القانون وترتيب الجزاء تبعا للتوجيهات الملكية الأخيرة؛

– إطلاق حملة تحسيسية جماعية وتفاعلية للوقاية من الفساد والتوعية بأضراره، ولمواكبة دخول قانون الحق في الحصول على المعلومات حيز التنفيذ والتعريف به للجمهور مع تحسينه وجعله أكثر استجابة لمتطلبات انخراط المغرب بمبادرة الشراكة من أجل الحكومة المنفتحة (OGP). وذلك جنبا إلى جنب مع تحسين أجور الموظفين العموميين؛ وتبني مواثيق الأخلاقيات بالقطاعين العام والخاص؛ وتعميم التكنولوجيات الذكية في تواصل المرتفقين والمواطنين مع الإدارة، ولاسيما فيما يخص معاملات هذه الأخيرة مع المقاولين وأصحاب الأعمال بشأن المشتريات العمومية ومشاريع الاستثمار.

m.berraou@yahoo.fr

دكتور دولة في الحقوق؛ خبير دولي في الحكامة والمحاسبة ومكافحة الفساد، متخصص في تقييم الأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة؛ كبير باحثين ومحاضر في العلوم القانونية والمالية والسياسية ورئيس مؤسس لمركز الأبحاث حول الحكامة والمحاسبة ومكافحة الفساد، وعضو بعدة مراكز أبحاث وطنية ودولية. صدر له 13 مؤلفا والعديد من الأبحاث والدراسات والمقالات العلمية، وحاز على 3 جوائز (سنوات 2004 و2007 و2010) من المنظمة العربية للأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة (أرابوساي) التابعة لجامعة الدول العربية، وعلى منحة بحث ما بعد الدكتوراه من جامعة نيويورك (2011)؛ وعلى جائزة المغرب للكتاب في العلوم الاجتماعية سنة 2018.