في مقابلة أجرتها معه صحيفة "صنداي تلجراف" مؤخراً، كشف وزير الدفاع البريطاني غافين ويليامسون عن أن بلاده ستفتتح قاعدتين عسكريتين جديدتين وراء البحار بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، إحداهما في الكاريبي والأخرى في جنوب شرق آسيا، وحض ويليامسون البريطانيين على التوقف عن التقليل من شأن نفوذ بلادهم الدولي، وعلى إدراك أن بلادهم ستقف شامخة على المسرح الدولي بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. وقال وزير الدفاع البريطاني في مقابلته مع الصحيفة "يجب علينا أن نكون أكثر تفاؤلا بكثير بشأن مستقبلنا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي".

اعتبر وزير الدفاع البريطاني أن الخروج من الاتحاد الأوروبي يمثل لحظة تاريخية كبرى بالنسبة لبريطانيا، وأنه محطة مفصلية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، متوقعاً أن تعود بريطانيا للعب دور أكبر على المسرح الدولي "كما يتوقع منها العالم" على حد قوله.

النقطة الأهم في حديث ويليامسون تتمثل في قوله إن بريطانيا ستدير ظهرها لاستراتيجية "شرق السويس" التي قادت إلى انسحاب بريطانيا من قواعدها في جنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج العربي، مؤكد أن "هذه السياسة قد انتهت (مُزقت) وأن بريطانيا قوة عالمية مرة أخرى".

الصحيفة نقلت عن مصدر بريطاني قوله إن القاعدتين الجديدتين ربما تكونان في سنغافورة أو بروناي في بحر الصين الجنوبي، وفي جزيرة مونتسيرات أو غيانا في الكاريبي، وستفتتحان "خلال عامين مقبلين".

هذا الحديث المهم يضع العالم في مواجهة حقائق استراتيجية جديدة انطلاقاً من دخول منافس جديد في صراع الهيمنة والنفوذ الدولي، واللافت أن الحديث عن عودة بريطانيا لاستئناف دورها التاريخي القديم يأتي في ظل تنامي الانعزالية في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يعمل الرئيس ترامب على تقليص الوجود العسكري الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم.

التوجه الجديد يثير تساؤلات مهمة أيضاً حول موقف قوى صاعدة مثل الصين من الدور البريطاني الجديد الذي يركز على منطقة جنوب شرق آسيا، إذ يصعب توقع رد فعل الصين على هذا الدور، لاسيما أن بكين تسعى للحد من النفوذ والدور الأمريكي في محيطها الاستراتيجي، ولكنها الآن باتت في مواجهة لاعب دولي جديد يبحث عن موضع قدم له في هذا المحيط الحيوي.

مايعكس طبيعة التوجه البريطاني الجديد أن هناك تقارير تتحدث عن العمل على صياغة مسودة قانون جديد يوفر حماية وحصانة أكبر لأفراد القوات المسلحة البريطانية من الملاحقة القانونية في الخارج، وهذا يعكس إلى حد ما طبيعة هذا التوجه، وربما يوفر قرائن على نية بريطانيا إرسال قواتها العسكرية إلى مناطق صراعات أو أزمات محتملة وغير ذلك.

حديث وزير الدفاع البريطاني عن عودة بريطانيا لاعباً استراتيجياً فاعلاً على المسرح الدولي، يؤكد أن "البريكسيت" لن يكون اقتصاداً فقط كما توقع البعض، بل هناك أدوار استراتيجية جديدة ستعاد صياغتها، ومنها الأدوار العسكرية لبعض الدول الأوروبية، ولا يجب أن ننسى هنا دعوة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى تشكيل قوة أوروبية مشتركة للدفاع عن أمن القارة، وحديثه قبل ذلك عن "تحول عميق" للاتحاد الأوروبي، إثر اعترافه بأن "أوروبا التي نعرفها ضعيفة جدا وبطيئة جدا وغير فاعلة" وأنها بحاجة إلى الشجاعة لانهاض الاتحاد الأوروبي في فترة مابعد خروج بريطانيا، من خلال خطط تشمل تعيين وزير مالية لمنطقة اليورو وموازنة مشتركة وانشاء قوة تدخل أوروبية سريعة.

ربما يكون من السابق لأوانه التكهن بمآلات التغيير في أوروبا، لاسيما في ظل تباين وجهات النظر حيال طروحات ماكرون، فضلاً عن أنه ربما يركز على الداخل الفرنسي خلال المرحلة المقبلة عقب أزمة "السترات الصفراء"، ولكن بشكل عام فإن كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي يستعدان لصياغة أدوارهما في مرحلة مابعد "البريكسيت"، وهذا المعطى الاستراتيجي الحيوي يستحق الدراسة الجادة من دول مجلس التعاون لفهم طبيعة التوجهات الجديدة في أوروبا وتأثيراتها المحتملة، وبلورة مواقف وتصورات استراتيجية محددة بشأنها.


سالم الكتبي