منذ سنين وأنا أحاول ملاحقة الحرية/العبودية بين المفاهيم والمصطلحات، بين الثقافات والممارسات، بين الوجود البشري والتواجد الإنساني، قرأتُ عنها كثيرا، وحاولتُ الاقتراب من أطرها وحقولها المعرفية، كيف لا، وأنـــا أعيش بين أوساط تحب العبودية وتمجدها، وتنفر من الفضاءات الحرة وتنبذها، فيكفي أن تلقي بالعبودية إلى الشارع، دون ذكر اسمها، ليحتضنها الشعب ببلاهة قل نظيرها في كتب التاريخ، وبين قواميس الأرض؛ لم أرَ عبيدا يقدسون سرّ من يذلهم مثلما شاهدتُ أبناء بلاد القراصنة يألِّهون الفرنسيين ويحبونهم، يحاولون التحدث بلغتهم، يقلدون ألبستهم وطرائقهم في الأكل والعادات، ثم يبحثون عن ألف طريقة وطريقة لزيارة باريس والتمسُّحَ بها، وكم آلمني هذا الوضع المأساوي، عندما أجد على أرض الأحرار من لا يزال يعتقد بأن الاستقلال هبة يجب ردها وعدم قبولها، بل يطالب بعودة المحتل ليفرش له سجادات الولاء والطاعة.

لقد حالت البلدان التي نعيش بين أحراشها فلا نكلّ أو نملّ من البحث عن متنفس حرّ، مثالنا في ذلك بعض المخلصين الذين تفننوا في فهم الدروس من فيتنام، دروس الكرامة والشرف ليهلكوا دون ذلك معبّرين عن خيباتهم المتلاحقة في من دافعوا عنهم بالقلم، الجسد والروح، ولقصة الوشاية بالزعيم جيفارا العبرة لمن يريد الاعتبار من دروس التاريخ ورحيقه المنزه عن الكذب.

سئمنا من الكلمات المعسولة التي تغسل القبح لتنشر ما هو أقبح بين الناس، تنشر الهوان بين نبضات قلوبهم المتعبة، سئمنا من أوطان مقطعة الأوصال لا يربط بينها سوى الكلاب وأشعار التملق والنفاق، لا تؤلف بين قلوب مواطنيها سوى لدغات الجغرافيا وأساور الأسحار التي بنيت على الخيبات وبقت حتى اليوم.

لم أشهد هوانا كالهوان الذي تعيشها الشعوب اليوم، قتل، ذبح، تهجير واعتقالات بكافة التبريرات والتهم، لكنني لم أجد متهما غير الحرية ولا معتقلا غير العربية، ولا مهجرا غير أبناء هذه البلدان المخلصين؛ كل الصورة التي اجتهد الغرب بتواطؤ العرب في اخفائها، قد انقشع عنها الضباب وبدت واضحة المعالم، أوطان خراب، مسلوبة الإرادة والتفكير، منهوبة الخيرات، معدومة الأمل ومنهكة في الماضي والمستقبل.

تبددت كافة الأفكار، وبدت غير مرغوب فيها على التربة العربية، فالعدو صار ولي حبيب، والصديق صار عدوا يستحق الحصار والنار، قلِبَت المفاهيم والمعاني، وتحول الزمن الأوّل، حتى لا تكاد تعرف البياض من الأسوَد، ولا القطط من الأسود، الكل تماهى في بوتقة واحدة، تنعدم فيها الخيارات، وتغلق فيها الأبواب، إلاّ واحدا ظل مفتوحا، وسيظل كذلك، يسبّح لأسارير الزعيم الأوحد، صاحب الولاء وبيده البقاء.

حقيقة بارزة واحدة تتوضح أمام كل متأمّل للوضع الخاص بمن يسميهم التاريخ بالعرب، ومن يسميهم الكتاب الأوّل والأخير بالمسلمين، هي أنّ الحُرَّ لم يعد له مكان بين الخراف

والقراصنة، ولم يعد له صوت بين الطيور المسافرة، وأوهن العذابات الذي قد يسلط عليه هو: التجهير أو الموت عبر المرور بالتعزي.

مات جبران وهو يبتسم، فلما لم يكتب النسخة الأصلية لنبيّه بالعربية؟ لما تراجع عن كاتبتها بلسان العرب؟ لا بد وأنه قد عرف من زمنه ذاك انغلاق أفق هذا الزمن!

مات الكبار، ولم يكبر الصغار على رقعة شمال أفريقيا، مات الأحرار ولم يحرر الاستعمار ما تبقى ممن أصيبوا بما سماه شريعتي بـ: الاستحمار، فلم يعد للحياة من ذوق بلا هواء حرّ يخترق الرؤى الحية، كل العالم العربي مكلوم مظلوم وغير مدرك بما هو عند الآخرين بمعلوم، صار كل شاذ على هذه الأراضي هو القاعدة، وصار كل خائب على هذا الثرى هو المعبود المحمود، تبدلت الأحوال كثيرا، وانقلبت الضمائر لتعبث بما تبقى من مصائر، حتى الحبر جفّ، والوقع خَفّ، ليأتي صوت من داخلي على أعتاب السنة الجديدة مناديا: يا محمّد تذكّر كلمات غلام الأرمن حين قال: كمال العقل، معرفة الفرد بنفسه.... آه.



مزوار محمد سعيد