بدأت الفردانية تنتشر في مجتمعاتنا بشكل واضح، لتصبح حقيقة ملموسة نتعايش معها رغما عنا داخل البيوت وفي علاقاتنا الاجتماعية بصفة عامة، فرغم أن انتشارها كان غربيا بالدرجة الأولى منذ منتصف القرن التاسع عشر بشكل محتشم لتصل إلى أوجها في القرن العشرين، إلا أنها صارت سلوكا يطبع مجتمعاتنا بشكل كبير ومن بينها المجتمع المغربي. ومن أكبر الأمثلة على ذلك أن العلاقات داخل الأسرة الواحدة بدأت تأخذ منحى الاستقلالية الفردانية لكل فرد من أفرادها وعلى كل المستويات، حتى أننا أصبحنا نتحسر على أوقات اجتماع الأسرة في الأيام الخوالي ويأخذنا الحنين رغما عنا إلى ذكريات الماضي، فصار العارفون والمتخصصون في مجال علم الاجتماع فضلا عن العامة من الناس ينبهون إلى خطورة تفشي هذه الظاهرة. ويمكن أن نعدد هنا بعضا من مظاهرها:

من الناحية الديمغرافية:

حسب نتائج الإحصاء العام الأخير للسكان والسكنى بالمملكة انخفض معدل عدد أفراد الأسرة (حجم الأسرة) من 5.2 سنة 2004 إلى 4.6 سنة 2014 ومن المتوقع أن يصل إلى 3.8 سنة 2030 حسب توقعات المندوبية السامية للتخطيط، وبموازاة مع ذلك إرتفع متوسط عدد الغرف التي تشغلها الأسرة بالوسط الحضري من 2.2 إلى 3.1 بين نفس السنتين على التوالي، نستنتج إذن أن هناك تناقص في عدد أفراد الأسرة مقابل ارتفاع عدد الغرف، مما يعني التوجه نحو حصول كل فرد على غرفة بشكل منفرد رغم الحديث عن أزمة السكن، ومن جهة اخرى يلاحظ أن غالبية الإصلاحات التي تقوم بها بعض الأسر على مساكنها هي بالأساس إصلاحات تهدف إلى خلق غرف جديدة على حساب البهو الداخلي للمسكن مكان تجمع الأسرة مما يقوي التوجه نحو استفراد كل فرد بغرفة خاصة مهما كانت ضيقة وغير مريحة.

وسائل الاتصال والتكنولوجيات الحديثة:

مؤشران آخران لهما دلالتهما الهامة من حيث استعمال وسائل الإتصال، فحسب نفس المصدر دائما وخلال نفس الفترة وفي نفس الوسط تراجعت نسبة التوفر على الهاتف الثابت من 22.3 إلى 19.9 بالمائة، فيما ارتفعت نسبة التوفر على الهاتف المحمول من 72.4 إلى 96.6 بالمائة. ما يهمنا هنا هو المؤشر المتعلق بتراجع إستعمال الهاتف الثابت كوسيلة إتصال جماعية داخل البيت لها مكان ورنة معروفين، وحتى الحوار من خلالها يكاد يكون معروفا ومسموعا، مقابل الارتفاع المتنامي لإستعمال الهاتف المحمول كوسيلة اتصال ذات صبغة فردية-خصوصية بامتياز.

وبالرجوع إلى آخر أرقام الوكالة الوطنية لتقنين الاتصال فإن تطور عدد الاشتراكات في خدمة الهاتف المحمول والانترنيت تظهر بشكل واضح أن غالبية الزبناء يتوفرون على أكثر من إشتراك أو رقم هاتفي وبالتالي أكثر من هاتف محمول، ومن البديهي أن ذلك يعود إلى رغبة العديد من الأفراد التوفر على رقم هاتفي خاص ومحدود الانتشار داخل المجتمع تجعلهم في عزلة تامة عنه إذا اكتفوا باستعمال هذا الرقم الخاص خلال أوقات معينة.

الأمر ينسحب كذلك على أجهزة أخرى كجهاز التلفاز حيث إنتقل من ذلك الجهاز الوحيد بالبيت والمثبت بعناية في مكان تجمع الأسرة إلى أجهزة متعددة داخل المسكن الواحد، فكل فرد يريد أن يشاهد ما يريد و لوحده فقط. الأكثر من ذلك أن هذا الجهاز بدأ يفقد مكانته لصالح الهاتف المحمول، وهذا المصير سبقه إليه حاسوب المكتب بداية ظهوره، حيث كان هو الآخر يشغل مكانا متميزا في البيت ليظهر بعد ذلك الحاسوب المحمول والذي يتيح لمستعمله على الأقل حرية التنقل وعزلة مؤقتة، فصارت الأمور أكثر سهولة بظهور اللوحة الإلكترونية ثم الهاتف المحمول الكبير الحجم الذي ضمن لصاحبه العزلة التامة صورة وصوتا بإضافة السماعات، هذه الأخيرة بدأت تنتج نوعا آخر من الفردانية ألا وهي العزلة في الفضاءات العامة عن أي تأثيرات خارجية (الأصوات والتنبيهات) مما يؤدي إلى غياب التركيز وبالتالي تعرض مستعمليها للخطر سواء كانوا راجلين أو أثناء القيادة.

التواصل الاجتماعي

هي مواقع وتطبيقات اكتست منذ نشأتها طابع الفردانية رغم أن تسميتها تحيل إلى ماهو اجتماعي، فالمواد السمعية/البصرية التي يتم تداولها على مستوى هذه الوسائل من مواقع إلكترونية أو تطبيقات للتواصل الفوري هي مواد غالبا ما تكتسي طابعا فردانيا-خصوصيا، فسرعة انتشارها لا تعني أن هاتف من يرسلها متاح للجميع، بل إن توفر الهاتف المحمول على كمية كبيرة من هذه المواد يجعل صاحبه يلجأ إلى تفعيل أكثر إجراءات الحماية أمانا لهاتفه، أما محاولة التواصل عن طريق المجموعات فهي تبقى محاولات ذات أثر (جماعي) محدود سرعان ما يتسلل إليها الملل، لتبدأ الانسحابات التدريجية نحو المحادثات الفردية أو تصفح المواقع ذات الصلة بالميولات الشخصية.

العلاقات الاجتماعية

تتجلى الفردانية في اللجوء إلى الصمت المطبق داخل البيت وفي العمل وعدم السؤال عن أحوال الأهل والأصدقاء، والاكتفاء بتبادل الرسائل النصية النمطية عبر الهاتف لتبرير التواصل معهم خلال الأعياد والمناسبات، فصار الهاتف المحمول هو الأنيس الوحيد في غالب الأحيان حتى أثناء اللقاءات العائلية الضيقة، ليصل الأمر إلى انطواء بعض الأفراد على أنفسهم مكتفين بعلاقات اجتماعية جد محدودة، فصارت الانعزالية والابتعاد عن الناس رمزا للتحضر (حسب الفردانيين).

خطورة الظاهرة

من المعلوم أن الإنسان لا يمكنه العيش بمعزل عن مجتمعه، فكلمة مجتمع مستمدة من التجمع الإنساني، وعلى رأي ابن خلدون في مقدمته: " .. إن الإنسان اجتماعي بطبعه " يتبادل التأثير والتأثر مع مجتمعه، فالإفراط في النزوع نحو الفردانية سيؤدي حتما إلى تحلل العلاقات الانسانية ومن ثم بداية انهيار البناء الاجتماعي مقابل تضخم الذوات وترسخ المادية والأنانية، وتحول الإنسان الكامل إلى إنسان ناقص عابث لا يهمه سوى إشباعاته المادية حتى لو كانت افتراضية، إن لم يكن يصدقها هو فإن سلوكات الأفراد تجعله يصدق ذلك رغما عنه فيغرق في الفردانية.

ما السبيل لمواجهة الظاهرة؟

إن الاكتفاء بسرد السلوكات المنتشرة المكونة للظاهرة الاجتماعية سيجعلنا حبيسي (الحس المشترك) أي مناقشة (الأحداث) فقط وبالتالي القول بأن هذه الظواهر هي التي أوصلتنا إلى التفكك الأسري، بل إن انهيار قيم الأسرة كوحدة أساسية أولية للتربية والتنشئة الاجتماعية هو السبب الرئيسي في انتشار هذه السلوكات والتي أنتجت مجتمعة ظاهرة الفردانية، فلا ينبغي توجيه اللوم للتكنولوجيا الحديثة بشكل حصري، إذ أن الاستعمال الأمثل والصحيح للوسائل التكنولوحية الحديثة ساهم في تسهيل كافة مناحي الحياة، سواء من حيث المعاملات أو التواصل، فتطور العلاقات الإنسانية كشف أن هناك سلوكات فردانية لا صلة لها بالتكنولوجيا والتطور العلمي.

تبقى الأسرة إذن نواة المجتمع والمؤسسة الاجتماعية الأولى التي تمكن من تربية الفرد على الاستعداد للمشاركة في الحياة الجماعية حتى يصبح عنصرا مكملا للآخرين، إلا أن التغيرات الاجتماعية المتتالية وظهور منافسين جدد للأسرة (الشارع، فضاءات الترفيه، ..) وتعاظم دورهم وتأثيرهم بشكل ملحوظ ساهم في تقليص الوظيفة التربوية للأسرة كما وكيفا، لذلك وجب إعادة الإعتبار لها كوسط أولي للتربية والتنشئة الاجتماعية قبل التعليم والتلقين، أي تربية أفراد الأسرة على أساس اجتماعي - دون إغفال دور باقي المؤسسات الاجتماعية الأخرى (المدرسة، المجتمع المدني ..) - بترسيخ القيم الاجتماعية والجماعية، والتربية على التصرفات الموافقة للفطرة السليمة والتدريب على الاستعمال الصحيح لأدوات للتكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل، باعتبارها آليات ووسائل وليست أهدافا في حد ذاتها. فالتربية الواقعية السليمة ترتقي بالوعي، وكلما زاد وعي أفراد الأسرة زادت معرفتهم بالنواحي الاجتماعية وبالسلوك الفطري الإنساني السليم وبالتالي تقدم المجتمع الذي ينتمون إليه عوض خلق فضاء افتراضي منعزل يؤمن ل (الفردانيين) تقدما وهميا ومتعة عابرة، فعودة الإنسان إلى إنسانيته انطلاقا من مؤسسة الأسرة أصبحت أمرا ملحا لكبح جماع الفردانية التي بدأت تزحف نحونا بشكل رهيب


لكهـل البـيـلال.