الحوار الدي وقع بين القيادة الصحراوية و المغرب من شأنه أن يخفف بعضا من وطأة الجمود التي تعرفها القضية الصحراوية، ولكن استمرار هذا الحوار في شكل موائد المستديرة أو مفاوضات مباشرة يستوجب أن تكون القيادة الصحراوية واعية أن عليها أن تقدم تنازلات لا تمس جوهر المشكل و أن  يكون الطرف المتسبب في النزاع ذا مصداقية في التعامل، حتى لا أن يتكرر ما حصل في الماضي، عندما كانت الجولات التفاوضية محطات فقط  للمناورة السياسية و لالتقاط الأنفاس ما لبث أن نسفها المغرب بالانقضاض على كل ما تم الاتفاق عليه.

هذا الكلام ليس موقفا سلبيا من  مواصلة تنظيم اللقاءات للبحث عن حل للقضية الصحراوية، إنما ينم عن حرص حقيقي على أن تكون  المائدة المستديرة المقبلة التي قد تنطلق خلال الربع الأول من السنة المقبلة، و غالبا خلال شهر مارس، قبيل استصدار توصية جديدة لمجلس الأمن، انعكاسا لطموحات الشعب الصحراوي وليس انخراطا أعمى للقيادة الصحراوية  في مطلب تقرير المصير دون تحديد ماهيته و نتائجه، بمعنى ألا يحيد هذا المطلب في النهاية عن نتيجة الاستقلال لأرض الساقية و الوادي .

 ولكي نكون صرحاء، أقول بأن تصريح "هورست كوهلر" عقب لقاء جنيف الأخير لم يكن واضحا، بل إن المفردات التي استعملها للتغطية على فشل اللقاء لا تحمل على التفاؤل بخصوص مستقبل القضية الصحراوية، و خاصة  فيما يتعلق بتحقيق مطلب الاستقلال، ذلك أن القول بان الأطراف أبدت انخراطا جادا في البحث عن حل سياسي سلمي، يلغي مبدئيا فرضية الاستقلال كحل نهائي،  حيث أن أي حل سياسي يستوجب تنازلات من جميع الأطراف و بالتالي من الصعب على القيادة الصحراوية أن تظل متشبثة بمبدأ تقرير المصير المفضي إلى الاستقلال، و من المستحيل أن ينخرط المغرب في مسار يرى في نهايته ضياعا لما يسميه سيادته على أراضي الصحراء الغربية.

و من يقول العكس في هذا التصور فهو يجافي الحقيقة، و  حتى القيادة الصحراوية لا يسعها أن تنكر الأمر  و أن تعترف بأنها أمام امتحان صعب لا تستطيع معه - في ظل ما يمليه "هورست كوهلر" من ضرورة الحوار بدون شروط مسبقة-  أن تتمسك صراحة بالاستقلال كحل نهائي للنزاع، بل كل ما يمكنها فعله هو المناورة عبر التمسك بمبدأ تقرير المصير كحق كوني للشعوب يقود إلى نتائج مختلفة  و متباينة  و من بينها خيار الاستقلال.

إن هدف أي مفاوضات مع المغرب هو إيجاد أرضية مشتركة يمكن الاتفاق عليها أو ما يصطلح عليه بالحل السياسي السلمي، والبحث في نقاط التقاء محتملة يمكن دفع المسار الحواري والإجراءات المصاحبة صوبها خطوة اثر خطوة.... لكن الأهم من ذلك كله أن يبقى الطرف الممثل للصحراويين، والمدافع عن المشروع الوطني، واعيا أن التكتيك - وان يكن ضروريا لتحقيق مكاسب مِؤقتة للقضية الوطنية- لا يمكن أن يغيّب الثوابت الوطنية الكبرى و على رأسها  مطلب استقلال الصحراء الغربية،  الذي من دون الدفاع عنه وبلا هوادة لا تعود للتكتيك أهمية لأنه يتحول عندها استسلاما... والاستسلام المعلن أو المقنع في حالة القيادة الصحراوية هو بمثابة انتحار لها !

نعم إذا ما غامرت القيادة الصحراوية و دخلت في مفاوضات لا تؤدي إلى استقلال الصحراء الغربية، فإنها تحكم على نفسها بالإعدام و بالزوال سياسيا، لأنها ستفقد مباشرة شرعية التمثيل الحصري للشعب الصحراوي، بما أنها ستكون قد  خرقت الدستور الذي أقرته و الذي ينص في ديباجته على أن الشعب الصحراوي، بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، يعلن عزمه على مواصلة الكفاح من اجل استكمال سيادته على كامل ترابه الوطني وفرض الاستقلال التام.

 

الغضنفر للجزائر تايمز