لم يكن إسقاط حكومة هاني الملقي في هبّة أيار الماضي، ولا حتى الإعلان عن تكليف حكومة جديدة، أكثر «لباقة» من سابقتها، كافياً لإيقاف موجة الاحتجاجات والسيطرة عليها؛ ما كان يكفي عندها هو التصريح من دون مواربة: «سنسحب قانون ضريبة الدخل من النقاش في مجلس النواب». وهذا ما كان، ليعطي الحكومة الجديدة متّسعاً لتصريحات ووعود جديدة، التي على ما يبدو بدأت تتعرض هي الأخرى لانتقادات حادة، قد تعرض أصحابها لموجة مشابهة لأيار الماضي؛ حيث بدأت تتفاعل دعوات إلى اعتصامات جديدة في المكان نفسه الذي احتشد فيه الآلاف.

ومع الدعوات الجديدة، تطرح أسئلة جديدة متعلقة بهذا التحرك. أليس مبكراً الحكم على الفريق الوزاري الجديد؟
مرّ نصف سنة الآن على تكليف الحكومة الجديدة، ومن الواضح أن رصيد الإنجازات العملية – كما هو متوقع – يراوح مكانه، معيداً إنتاج النهج السابق نفسه الذي سارت عليه كل الحكومات في الأردن. فقانون الضريبة الذي أسقط حكومة الملقي، عاد وأقرّ في حكومة الرزاز، مع تعديلات طفيفة، لا تذكر، ما يؤكد أن هامش المناورة مع المؤسسات المالية لا يتغير مع مجيء رئيس وزراء من أبنائها وموظفيها السابقين.
الحكومة التي قدمت نفسها بثوب ليبرالي منذ البداية، ما زالت متمسكة بالوصفة المجربة والمحكوم عليها بالفشل سلفاً، وهو الأمر الذي قد يسرع في تحركات جديدة ضدها، فهي تراهن على تخفيض النفقات في القطاع العام، ودمج المؤسسات الحكومية، وتحصيل أعلى مبالغ ممكنة من الضرائب لسداد المديونية، ورفع نسبة الاستثمار الخارجي المباشر لتوفير فرص العمل.
تعد الحكومة برفاه قادم تعيشه الأجيال القادمة، بعد استثمار فعّال وحذر لأموال الضرائب التي يدفعها الجيل الحالي، معادلة بسيطة تقتضي حرق جيل لصالح جيل يلحق، وهي الدعاية الواهمة نفسها التي تبيعها الحكومات الليبرالية في الأطراف. فتعيش كل الأجيال على وعود المستقبل، ويحرق واحداً تلو الآخر، وجيل الرفاهية – بكل بساطة – لا يأتي! 
السؤال الذي يطارد حكومة الرزاز، هو نفسه الذي طارد سابقاتها، وهو السؤال المطروح نفسه على النظام السياسي برمته، كيف يمكن للدولة أن تحصل على الأموال، وكيف يجب عليها أن تنفقها؟ إجابة الرزاز لا تختلف عن إجابات سابقيه، وتحديداً بعد إعادة الهيكلة عام 1989، وبرنامج الخصخصة الشامل عام 1996، الدولة تعتمد على الاستثمار الخارجي في تأمين فرص العمل، والقطاع العام يتقلص ويتحول ما يتبقى منه إلى حفرة عميقة للفساد، ولا دور مباشراً للدولة في إدارة المشاريع الاقتصادية والبنية التحتية، إنها تنظم السوق وتستفيد منه ضريبياً فقط. 
إذن هي الوصفة ذاتها؛ تقليص النفقات، وإدارة السوق وتنظيمه، وجمع الضرائب، دون أي نيات أن تكون الدولة «صاحب العمل المنتج الأكبر». وهنا تكمن العقدة المركزية التي لا تفكر أي حكومة في الأردن في الاقتراب منها؛ استرداد الأصول المتعلقة بالموارد الطبيعية، ومشاريع البنية التحتية من كهرباء ومياه ومواصلات، وتكون الدولة مسؤولة مباشرة عن العمليات التشغيلية والميزانيات المالية، وتزيد صادراتها وتربح من مشروعاتها «وهذا مختلف تماماً عن دور الوسيط أو المنظم»، هذا هو المعنى الوحيد للاقتصاد المنتج، الذي يرتد إيجاباً على مصلحة أبناء البلد. 
تحمل تعبيرات الرزاز عن العمل المنتج تشويهات جذرية؛ فالعمل المنتج برأيه هو فرص العمل التي تؤمنها فرص الاستثمار، والدولة تأخذ الضرائب من عمليات السوق التي ينعشها الاستثمار، والدخول الجديد للأفراد. وهذا ما كان يحدث على مدار العقود الماضية، وكانت الدولة لا تعثر على كفايتها من هذه المصادر، فتستدين مجدداً من المؤسسات المالية لتعود على مواطنيها بضرائب جديدة، وهذه هي الدائرة التي لن يتمكن الرزاز من الإفلات منها، لأنها ببساطة النتيجة الحتمية لتجريب الوصفة الليبرالية في الأطراف.
تستطيع الدولة في المراكز المصنعة الأوروبية الاعتماد على الضرائب المفروضة على شركاتها التي تحوز حصصاً عالية جداً في السوق العالمي، وهذا ما يؤهلها أساساً لتوفير برامج رعاية اجتماعية لمواطنيها، ولكن هذه الأسواق التي توفر الرخاء الأوروبي هي بلداننا. لن يسير النهر بالاتجاه المعاكس، لا مع الرزاز ولا مع غيره!
إضافة إلى التشوهات التي أحدثها الرزاز على المعنى، فقد تخلى أيضاً عن المنطق العام الذي قدمه للأردنيين حال تكليفه؛ فالرجل يرى أن حالة الاستبداد السياسي في بلداننا العربية نتجت بسبب حالة الريعية في الاقتصاد، أي إن الدولة تكدس الموظفين في القطاع العام، وتنفق عليهم الأموال، وتشتري ولاءاتهم، ومقابل ذلك فهي تستبد بهم سياسياً، وتقمع حريتهم في التعبير.
عبّر الرزاز أكثر من مرة عن تقليص حجم القطاع العام و«الانسحاب من الاقتصاد الريعي» حسب رأيه، ولم يترافق ذلك إلا مع حملات اعتقال إضافية في صفوف الناشطين السياسيين في الأردن، وتغليظ عصا الأمن، وطرح قانون جديد للجرائم الإلكترونية، وفي الاعتصام الأخير تساهلت الحكومة مع من قاموا بتغطية شوارع الاعتصام بالزيت المحروق، وحجبت الحكومة خدمات الفيديو في فايسبوك كي لا تستخدم في تشجيع المزيد من الناس على الانضمام إلى الاعتصام. وبذلك تكون الحال في أسوأ ما يمكن أن تكون، تجفيف «فوائد الريع» ومزيد من الاستبداد السياسي، بمعنى آخر استبداد سياسي بلا ثمن!
قد يعتقد الرزاز للحظة أن المأخذ على قانون ضريبة الدخل أنه لم يأخذ حقه في الحوار، ولم يبن على أساس تغذية راجعة كافية من المواطنين، وبذلك يحاول تبريد المسألة عبر عرض المزيد من المنصات الإلكترونية وتفعيل النقاش والتعليقات على صفحات الويب، ولكن جوهر المسألة أكثر مادية من ذلك، وهو وصول عدد كبير من الفئات الاجتماعية في الأردن تحت خط الفقر، وهذا ما يطرح سؤال التنمية المستقلة، قبل تفعيل منصات المشاركة السياسية. يعتقد الرزاز أن المزيد من إشراك المجتمع في قرار لا رجعة عنه، يخفف كثيراً من ردّ الفعل عليه، ولكن من المحتمل أكثر أن يحدث عكس ذلك، أي أن يستغني الناس عن جزء من إشراكهم السياسي في حال ثقتهم بالقرارات الاقتصادية، وشعورهم بجدواها في حياتهم اليومية (نشرت RAND في واحد من تقاريرها عن فلاديمير بوتين عام 2004 أن الروس يتقبلون بشكل متزايد المركزية في اتخاذ القرار، وانخفاض مستوى مشاركتهم فيه، مقابل استعادة هيبة روسيا، وتحسين ظروفهم المعيشية).
لا يهم أن نقول إن الرزاز فشل في أن يكون ليبرالياً في الأردن، فهنالك ما هو أهم؛ ان الليبرالية لا تعمل أبداً في الأطراف، وتعمل فقط في المراكز المصنعة، ومراكز الهيمنة على الاقتصاد العالمي. استخدام الليبرالية في الأطراف يغرق مجتمعاتها في مزيد من التبعية، والبديل منها هو طريق التنمية المستقلة.
لذلك كله؛ لأن قانون الضريبة لم يتغير، ولأن وصفة «الليبرالية في الأطراف» مكررة ومجربة وفاشلة سلفاً، فليس من المبكر أبداً أن تتجدد الاحتجاجات. ولكن من يجددها؟ من هي الجهات الداعية إلى التحرك الجديد؟
حدثت الدعوات الأخيرة إلى الاعتصامات من خلال صفحات على فايسبوك، وفي هذه الصفحات فيديوات يتحدث فيها ناشطون خارج أطر النقابات والأحزاب، التي صرّحت بدورها بكل وضوح بأنها ليست جزءاً من هذا التحرك، ولا تشجع على الانضمام إليه باعتباره تحركاً مجهول النسب.
ترجعنا هذه المبررات إلى أجواء هبّة أيار السابقة. فإلى اللحظة ما زال الأردنيون يفكون خيوط الجهات الداعية إلى تلك الإضرابات والاعتصامات؛ فالنقابات التي أعلنت الإضراب العام الأول شعرت بورطة الدعوات المتتابعة لفعاليات كثيرة شهدت الآلاف، ولحقت بها، والأحزاب كانت كذلك. أيضاً هبة أيار كانت مجهولة النسب، ومن الأردنيين من يسميها هبة البنوك، وآخرون ينظرون إليها كحدث صمّمته تيارات في أجهزة الدولة.
نحن، في كل الأحوال، نعيش مرحلة جديدة تماماً في ما يتعلق بأدوات إدارة الجموع، وفنون التحشيد، وهذه الأدوات الجديدة تفتح الأبواب على كل الاحتمالات، إما التلاعب بالناس لصالح صراعات في أجهزة الدولة، وإما تسهيل الوصول إليها لصالح مشروع تغيير اجتماعي يتحرك من الأسفل، وتعزيز الخيار الثاني يتطلب المشاركة (بمعناها الواسع) وليس الانكفاء.
استعداد الناس عال للمشاركة في جولة جديدة من التغيير الاجتماعي، ولكن غياب التنظيم ما زال يتظهر ككاحل أخيل، فأشكال العمل الجديدة من الشبكات هي إعادة إنتاج للنمط الفرنسي القديم في ثورة الطلبة 1968 «هيئة أركان بلا جنود» أو حتى الجديد «السترات الصفراء»، وهذا الذي لم يثمر الكثير، وإن سبّب ارتباكاً مؤقتاً في المشهد العام.
إن لم تشارك التيارات المنظمة، من النقابات والأحزاب «أو أيّ هيئة جديدة»، فما سيملأ حالة الفراغ هو تلاعبات تيارات السلطة أو الفوضى أو الغوص أكثر في قاع الإحباط الجماعي.