في تونس يتصاعد الحديث عن التنظيم السري لـ«حركة النهضة» الإخوانية، وفقاً لما كشفته هيئة الدفاع عن السياسيْين اللذيْن تم اغتيالهما عام 2013 شكري بلعيد ومحمد براهمي، باعتباره - أي التنظيم السري - مسؤولاً عن عمليتي الاغتيال هاتين. وقد يبدو الحديث صادماً بعض الشيء بالنسبة إلى هؤلاء الذين كانوا ينظرون إلى تجربة «النهضة» التونسية باعتبارها حركة إسلامية تجديدية قادرة على التعامل والتكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية السائدة في المجتمع وفي العالم ككل. ومبعث الصدمة أن الكشف عن هكذا تنظيم سري أياً كان حجمه أو مهامه أو مسؤوليته عن عمليتَي الاغتيال اللتين سوف تخضعان لتحقيقات الجهاز القضائي التونسي يؤكد وحدة المنهج لهذه الجماعات، الذي يقوم على مبدأ استبدال دولة تسيطر عليها تلك الجماعات بالدولة الوطنية، من خلال منهجيْن متكامليْن: الأول فكري ديني يستقطب العموم وبعض النخبة إلى رؤية مفادها أن هدف الحركة الأول هو استعادة مجد الدين الإسلامي من خلال العمل بما تقدمه الجماعة من تفسيرات ورؤى للدين، معتبرةً نفسها الجماعة الحق وما عداها ينتهي إلى الباطل المنهيّ عنه. والآخر منهج حركي يتسم بالسّرية على العموم، مع بعض رموز وشكليات ظاهرة لتعبر عن وجود الحركة أو الجماعة، وفي الخلف أجهزة وهياكل لها مهامّ غير معلن عنها حتى للغالبية العظمى من الأعضاء العاملين في الجماعة. وغالباً ما تكون هذه المهام تمهيداً لعمل عنيف يساعد الجماعة - وفقاً لتصورها عن ذاتها وعن المجتمع - للوصول إلى السلطة والتحكم في مفاصلها وبناء الدولة المتخيَّلة في الذهن الإخواني.
والمفارقة هنا أن الكثير من التحليلات التي نُشرت عن «حركة النهضة» كانت تصبّ في وجود اختلافات جوهرية بين جماعة «الإخوان المسلمين» المصرية وبين «حركة النهضة» التونسية، فالأولى لدى هؤلاء هي الأصل في التكوين والنشوء، وهي محمّلة بأصول ومحمولات فكرية وعقدية من تراث حسن البنا وسيد قطب لا تستطيع الفكاك منه نظراً إلى أسلوب التنشئة المعتمد في الجماعة والذي لم يتغير قط، ولذا فقدرتها على التغيير الفكري أو المراجعة النقدية لتراثها الفكري والحركي محدودة إن لم تكن غائبة تماماً، وهي أسباب تُعد لهذا الفريق جوهرية في تفسير سقوط الجماعة المريع حين انفردت بحكم مصر لمدة عام كامل ما بين يونيو (حزيران) 2012 ويونيو 2013، ظهر فيه كل موبقات الحركة من استعلائية على باقي مكونات المجتمع، وعدم القدرة على التعامل مع روح العصر ومتغيراته السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، فضلاً عن تمسكها بالطابع السرّي لعملها رغم أنها باتت في الحكم ممثّلة في أعلى المناصب كرئيس الدولة، وفي الهيمنة على أول برلمان منتخب بعد عام 2011، وعدم وضوح ما الذي تريده بالفعل لمصر عدا أن تهيمن وتسيطر على جميع المفاصل الحاكمة للدولة كالقضاء والجيش والشرطة والمخابرات والخارجية، وهي مجموع الوزارات السيادية التي تصون الدولة وتحمي وجودها وتدافع عن مصالحها العليا.
أما «حركة النهضة» التونسية، ورغم أنها بايعت حركة «الإخوان» المصرية وشكّلت فرعاً من التنظيم الدولي للحركة، فيُنظر إليها كفرع تجديدي في إطار الحركة الإخوانية ككل، كما أنها تنظر إلى نفسها باعتبار أن تلك البيعة للجماعة الأم لا تعني أنها ملزمة بالرؤى والاجتهادات التي تطرحها القيادة المصرية لـ«الإخوان»، ولم تكن مُحملة بالتفسيرات النصوصية والرؤى الآيديولوجية التي تمكنت في تنظيم «الإخوان» في مصر، وعرفت تقاليد المراجعة والنقد الذاتي النسبي، ولديها قدر من الانفتاح على الآخر، كما أنها تأثرت بالتجربة السودانية بزعامة حسن الترابي وكذلك بالثورة الخمينية في إيران، وفي الإجمال ترى نفسها اجتهاداً فكرياً وحركياً في إطار الحركة الإسلامية ككل. ومعروف أن راشد الغنوشي زعيم «النهضة» ومرشدها قد كال العديد من الانتقادات الصارخة لـ«الإخوان» المصرية بعد سقوطها، مستنداً إلى جمودها الفكري والحركي والتنظيمي، ومستبعداً أن تواجه حركته التونسية المصير ذاته، لأنها -حسب قناعته - الأكثر تطوراً وتحرراً من المحمولات المصرية العتيقة.
شِقٌّ من الفروقات المهمة كان يتصل بفكرة التنظيم السري، أو ما يعني تشكيل هيكل سري لا تعرفه سوى القيادة العليا للحركة، يتم تشكيله وتنشئته وفق نظام خاص، وتكون له مهام خاصة للغاية كاغتيال الخصوم ورعاية ما تسمى المصالح العليا للجماعة وحماية القيادات العليا من كل سوء، وبحيث لا يعرف أعضاؤه بعضهم بعضاً إلا في لحظات تنفيذ العمليات. إلى جانب هذا الهيكل السري للمهام الخاصة ووفقاً لخبرة «الإخوان المسلمين» المصرية كانت هناك خبرة تكوين ما يسمى «جيش المسلمين»، الذي تشكلت نواته الأولى في عهد المؤسس حسن البنا، باعتباره جيشاً بديلاً عن الجيش المصري. ووفقاً لهذه الطريقة من الحركة السياسية المُغلفة بأطر وشعارات دينية فنحن أمام قناعة مفادها أن إسقاط الدولة، التي تعد وفقاً للفكر الإخواني كافرة ومرتدة أو على الأقل فاسقة ويجب الخروج عليها وتطهيرها مما هي عليه من آثام، فلا بد من وجود بدائل قوية وذات طابع مؤسسي، ولا سيما أمني وعسكري واستخباري، يتسم بالسرية الشديدة، بحيث يمكن أن تحل هذه البدائل محل الهياكل الرئيسية في الدولة المراد إسقاطها، ويمكنها أيضاً أن تحقق السيطرة للجماعة على غيرها من الجماعات في المجتمع في لحظات الانتقال التي تخطط لها.
تونسياً لم يتغير الكثير، وقد شهد بذلك أحدهم وهو منهم، فوفقاً لكتاب المنصف بن سالم - وهو أحد الأعضاء المؤسسين للجهاز السري لـ«النهضة»، إلى جانب صالح كركر، وكلاهما قاد محاولة انقلابية فاشلة في عام 1987 ضد نظام الرئيس الأسبق بن علي - والمنشور في 2014، امتلكت «النهضة» حين كانت تسمى «حركة الاتجاه الإسلامي» في سبعينات القرن الماضي، جهازاً سرياً شبيهاً بما كان لدى «الإخوان» الأم في مصر منذ الأربعينات من القرن الماضي. وكانت له أيضاً نفس المهام كالتجسس على الخصوم واغتيال رموزهم وقادتهم عند الضرورة أو للتخويف والترهيب، والتدريب على الأعمال القتالية والإعداد للانقلابات العسكرية والتحركات العنيفة في المجتمع. وقد تشكل التنظيم السري من 164 عنصراً مختاراً من الطلاب «الإخوان» في جامعة تونس وبعض العسكريين وموظفين في الدواوين الحكومية.
هكذا، فالفروقات الفكرية الظاهرية بين الامتدادات الإخوانية لا تعني الكثير بالنسبة إلى الأساليب الحركية، ورغم ما يردده البعض عن التوجه الحضاري لـ«حركة النهضة» الإخوانية في تونس مقارنةً بفروع إخوانية أخرى، فإن مبدأ الدولة الموازية يظل أساساً من أسس الحركة، والعمل السري مبدأ لا يجوز التخلي عنه. وهنا مكمن خطورة تلك الجماعات ذات الطبيعة الانقلابية.

 

د. حسن أبو طالب