ونحن نتبادل أطراف الحديث حول خاصية "النِيّة"، هذه العملة النقية التي لم يعد يؤمن بها المغاربة في تعاملاتهم، وبدأت تنقرض بشكل نهائي لعدة أسباب، أهمها فقدان الثقة بين الجميع، حكى لي حارس ليلي بإحدى الإدارات عن رجل يدعى الطيبي، يتجاوز الستين عاما من عمره، كان يشتغل جنديا، وكان بطبعه رجلا مسالما ومعروفا بأنه "نية بزاف"، وكان يتقن فن الطبخ، وهو ما دفع المسؤولين إلى الاحتفاظ به لإعداد الوجبات لهم طول الفترة التي قضاها بالجندية.

كان هذا الرجل كلما دخل مساء إلى المطبخ وجد أحد مساعديه في الطبخ يقرأ القرآن، وبالضبط سورة "ياسين"، فاستغرب وسأله بعفويته المعتادة: أليست هناك سور أخرى في القرآن يمكنك قراءتها؟ فأجابه مساعده أنه سمع من أحد المقربين إليه أن هذه السورة تحفظ كل من قرأها من كل سوء ومكروه طيلة النهار. وبما أن هؤلاء الجنود كانوا على الحدود وقد يتعرضون للهجوم في كل لحظة، وقد يتم قتلهم أو احتجازهم، فهو يتسلح بهذه السورة كي تحميه وتصونه من غدر البنادق وغدر الأصدقاء.

ومنذ تلك اللحظة قرر الطيبي الإدمان على قراءة هذه السورة كل صباح، حتى بعد أن غادر الثكنة وأصبح يقضي معظم وقته في المنزل رفقة أولاده. وفي أحد الأيام وهو عائد من زيارة لأخته، التي قامت بعملية جراحية في العين، وهي تسكن بأحد الدواوير القريبة من المدينة، فكر الطيبي أن يختصر الطريق عليه بعد أن لاح الظلام، فمر بإحدى الطرق التي تنعدم فيها الإنارة والمارة، فاعترض سبيله خمسة أفراد مدججين بأسلحة بيضاء، كانوا يقارعون الخمر، فطلبوا منه محفظته وهددوه بنزع ملابسه وضربه ضربا مبرحا لأنهم اعتبروا الأمر نوعا من التحدي لهم ودخوله "لحدودهم" المرسومة سلفا.

أصيب الطيبي بالذعر ولم يصدق الأمر، فهذه أول مرة يعيش مثل هذا الموقف بعد كل هذا العمر. ومن شدة المفاجأة بدأ يتمتم ويردد كلاما مع نفسه، وبعد دقائق بدأ يرفع صوته شيئا فشيئا، فكان يقول: "ياك أخويا ياسين، قلت لي لن يصيبك سوء أو مكروه، فأدمنت على قراءتك، هل نسيت عهدك لي ووعدك لي، ياك يا خويا ياسين". وهو يردد هذه الكلمات بدأ الجميع يضحكون ويتهامسون فيما بينهم، وقال أحدهم: هذا الرجل إما سكران أو مجنون أو مصاب بعاهة معينة، فصرخ رئيسهم، وكان ممددا قرب شجرة ويحمل قنينة خمر، بصوت عال: أيها الجهلة ألا تسمعون أن الرجل كان ينطق اسمي "ياسين" أكثر من مرة، فهو مائة في المائة كان صديقا لي أيام الطفولة، فأخرج ورقة نقدية وطلب منهم تسليمها إليه وتركه يذهب إلى حال سبيله.

ربما قد تكون القصة مفبركة ولا تحمل أي قدر من الحقيقة من أجل دفع الناس إلى قراءة سورة "ياسين"، لكن الرجل صدق مفعولها الإيجابي وسحرها غير المحدود، ولم يضع في رأسه يوما أن يكون ما سمعه عنها من خوارق قد يكون كذبا، بل تشبث بها حتى آخر نفس، وكان يذكر سورة "ياسين" بذكره "خويا ياسين" كنوع من القرابة الدموية. إنه الالتصاق بالشيء والإيمان به إلى آخر رمق، والاعتقاد الراسخ للرجل، الذي كان يعتقد صادقا أن خلاصه الأول والأخير في هذه السورة المنقذة من كل شرور العالم، وقد تحقق له الأمر في النهاية والخروج منتصرا من كارثة حقيقية. قال لي الحارس وهو يضحك: "نيتو غلبات"، فأجبته: ربما. إنما الإعمال بالنيات، لكن يا صديقي من سيصدقك في هذا الحكي الأسطوري؟ ابتسم وهمّ بمغادرتي وهو يقول لي: أنا ذاهب عند خويا ياسين.

في كتاب بعنوان "العرب...وجهة نظر يابانية" للكاتب نوبوأكي نوتوهارا، الذي قضى أربعين سنة يدرس اللغة العربية بالجامعات اليابانية، تحدث فيه عن العرب وسلوكياتهم الغريبة، وهي كثيرة قام بتفصيلها وتحليلها، ومن بين ما أثار انتباهه في علاقته بالعرب تحدث عن صديق له كانت له علاقة متينة به، وقال عنه إنه كان يقرأ القرآن يوميا قرابة عشرين عاما ولم تتغير أحواله أبدا. لم يعط الكاتب أسبابا لذلك، لكن يبدو أن الرجل ربما كان يقرأ القرآن، ويعتقد أنه سيغير من حاله دون الأخذ بالأسباب، وهو الاعتقاد السائد لدى العديد من المسلمين، أن التغيير يمكن أن يسقط من السماء دون صناعته.

ما يجمع المثالين هو الاعتقاد الراسخ و"النية الكاملة" بشيء ما إلى حدود التماهي، وهو "المعجزة القرآنية". في المثال الأول كان الرجل طباخا ماهرا، وكان مؤمنا بهذه المعجزة، وفي الوقت نفسه كان يحرص على العمل وإتقانه، وكان مخلصا له، ويفصل فصلا تاما بين الإخلاص في العمل والاعتماد عليه لأنه مصدر العيش، بينما كانت سورة "ياسين" حجابا له ووقاء من شرور الخلق، بمعنى أن الرجل كان يستعين بالخالق ليحفظه من شرور خلقه. بينما كان الرجل الثاني، في المثال الثاني، يستعين ربما بمعجزة القرآن لتغيير أحواله، وقد نسي شرطا جوهريا هو الكد والعمل والمنافسة مع بقية جنسه، وظل ينتظر الفرج قرابة عشرين عاما، ونسي أن قراءة القرآن مجرد تدريب على الروح كي تظل لصيقة بخالقها المتعالي.

إن المثال الثاني هو ترجمة حقيقية لما يعيشه العرب والمسلمون، اعتقادا منهم أن تغيير أحوالهم وتحقيق العدالة والديمقراطية سوف يتحققان بالدعاء ليل نهار، وبقراءة القرآن، والدعاء بالويل والثبور على الأعداء والحكام وأصحاب القرار، والحق أن التدين هو صلتك بالله ومخافة مقامه في السر والعلن، ولكن شؤون الدنيا شأن مرتبط بفهمك لما يدور من حولك والتفاعل معه بشكل إيجابي وبموقف حازم ومسؤول.

لا أحد يمكنه تسفيه معجزة القرآن ودوره التنويري والأخلاقي، لكن القرآن وحده لا يكفي، فهو يحتاج إلى مجتمع يفهم لغة هذا القرآن وأسراره الكبيرة ومقاصده المتوهجة، كما يحتاج إلى مجتمع يعرف ماذا يريد، ماذا يقدم وماذا يؤخر، مجتمع ناضج، يؤمن بقضيته، بحقوقه، بكرامته، بمستقبله، مجتمع يجعل المعرفة ضمن أولوياته، ويكون فيها القرآن مرجعا للبحث عن الحرية وليس للعبودية البكماء.


عبد الكريم ساورة