تاريخ العلاقات الثنائية المغربية الإسبانية مليء بالمد والجزر حسب الظروف والسياقات التي تحف بالبلدين الجارين المتقابلين قاريا وجها لوج كأنما حكم على مصيرهما بالجلوس الدائم إلى مائدة الحوار والتفاوض؛ ذلك أن اشتباك خيوط التاريخ القديم والحديث جعل من الدولتين صديقين لدودين.

لا يمكن أن ننسى أن قضايا راهنة تطوق عنقي البلدين، كمثل الهجرة غير الشرعية وملف الصيد البحري ومسألة الحدود الترابية (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية) التي باتت تشكل المسكوت عنه في السياسة الرسمية للدولة المغربية، تجنبا لأي صدام أو توتر، المنطقة برمتها في غنى عنه، ويكفي ما خلفه ويخلفه إغلاق المغرب حدوده مع مليلية من طرف واحد لينشط ميناء بني ينصار إلى درجة ذهب فيها حاكم مليلية بالشكوى إلى الحكومة المركزية بأنه وساكنة المدينة يحسون بأنهم رهائن.

لقد دأبت السياسة الخارجية الإسبانية أن تكون المملكة المغربية أول بلد تطؤها قدم المسؤول الحكومي بعد التنصيب مهما كان اللون الحزبي الموشح به، غير أن هذه المرة، ومع صعود الاشتراكي بيدرو سانشث إلى سدة الحكم بعد مخاض عسير، إثر تخبط اليمين الشعبي في مشاكل أخلاقية مست بورصة قيم الديمقراطية الإسبانية بعد ملتمس الرقابة الشهير، فضل التوجه إلى فرنسا.

يعود الزعيم الاشتراكي ليفتح صفحة جديدة مع المملكة في إطار من التعاون المرتقب على كافة المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ما سمح لبعض المعلقين في إسبانيا أن ينعتوا هذا العلاقة بالإستراتيجية وليست علاقة عابرة في وقت عابر.

وعن أهمية هذه الزيارة، والتي أوشكت أن تفتح أفقا للتأويل، تبقى طبيعتها الخاطفة على إيقاع الهدهد تشي بالارتجال، خصوصا حينما طار رئيس الحكومة الإسبانية السيد سانشث دون أن يكون قد حصل على الموافقة القبلية للقاء العاهل المغربي بالرباط.

صحيح أن اللقاء كان مرتبا مع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وأكيد أن الأجندة لم تتجاوز الحديث عن تلاقي وجهات النظر في ما بين البلدين في قضايا إقليمية ودولية، غير أن السؤال يبقى مطروحا: ما الجديد التي أتت به هذه الزيارة الخاطفة سوى التأكيد على ما كان مؤكدا في المواقف السياسية الإسبانية من وحدتنا الترابية في الصحراء المغربية؟ فلقد أكد رئيس الحكومة الإسبانية الموقف المعروف من إسبانيا طيلة العشرية الماضية: ما نصت عليه مواثيق الأمم المتحدة والحل المغربي، أي الحكم الذاتي تحت الراية المغربية، كما جاء على لسانه أثناء تصريحه الصحافي بالرباط.

وكرد فعل من بعض الصحف الإسبانية المتفاعلة مع هذه الزيارة، اقتنصت ما اعتبرته جديدا، إذ أشارت صحيفة أبانغوارديا إلى كون عراب السياسة الخارجية الوزير خوسي بورييل تلقف خبر اليد التي مدها العاهل المغربي للجزائر في خطاب المسيرة الخضراء كـ"النبأ العظيم".

من جهتها نوهت صحيفة ريبوبليكا بالترشيح الثلاثي المشترك لتنظيم المونديال، والمقترح من طرف رئيس حكومة إسبانيا، مقاسمة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

وإذا هذا هو الجديد في هذه الزيارة الخاطفة إذا ما أضفنا إليها إعلان المسؤول الحكومي الإسباني عن زيارة مرتقبة للعاهل الإسباني فيلبي السادس والملكة ليتيسيا.

شيء ما ينقص هذه الزيارة، خصوصا وعدد المقاولات الإسبانية المتواجدة في المغرب في تراجع. كما أن التعاون في ميدان التربية تراجع بدوره، سواء على مستوى العرض التربوي الذي لم يعد بتلك الجودة التي كانت منذ سنوات من خلال البعثات الإسبانية، أو التنسيق على مستوى التعليم العالي في ما يتعلق بالتعاون الثنائي الذي بدا مسدود الأفق؛ لذلك أحس بأن شيئا ما ينقص هذه الزيارة.

محمد العربي هروشي

*باحث، شاعر ومترجم.