نحو ضرورة تجريم فعل التقاط الصور المخلة بالحياء في الأماكن العامة

مقدمة:

من المعلوم أننا نعيش اليوم في عصر انتشرت فيه الهواتف النقالة المزودة بكاميرات وآلات التصوير الرقمي والكاميرات الرقمية متناهية الصغر.

وقد تم استخدام هذه الوسائل في ارتكاب العديد من الجرائم الرقمية، لعل من بينها جريمة التقاط الصور المخلة بالحياء (تصوير المناطق الحساسة للمرأة) في الأماكن العامة (غرف تبديل الملابس والمحلات التجارية وقاعات الرياضة...).

لهذا كان على المشرع الفرنسي أن يتدخل، بسبب وجود فراغ قانوني في هذا الشأن، من أجل تجريم هذا النوع من السلوك الإجرامي الذي يمس بسمعة وكرامة المرأة في العصر الرقمي.

ولكي نفهم قصور المادة 447-1-2 في تجريم وعقاب هذه الجريمة، سنعرض للحماية الجنائية لصورة المرأة من خلال القانون 13-103.

أولا : الحماية الجنائية لصورة المرأة من خلال القانون 13-103

من المعلوم أن القانون 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء وضع الإطار القانوني للحماية الجنائية لصورة المرأة في العصر الرقمي، ولكنه وضع لذلك شرطا هاما، ألا وهو شرط تواجد المرأة في مكان خاص.

أ- تجريم التقاط صور المرأة: المادة 447-1-2

لقد أعطى المشرع المغربي من خلال القانون 13-103 أهمية خاصة لصورة المرأة، بحيث اعتبرها من العناصر التي تدخل في دائرة حياتها الخاصة.

ونصت المادة 447-1-2 القانون الجنائي على أنه "يعاقب بنفس العقوبة من قام عمدا وبأي وسيلة بتثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص دون موافقته".

ب- شرط التجريم: المكان الخاص

من المعلوم أنه لتحديد نطاق الحماية الجنائية لصورة المرأة، أخذت بعض التشريعات بمعيار المكان الخاص، وأخذت أخرى بمعيار الخصوصية.

فالمشرّع المغربي، الذي أخد بمعيار المكان الخاص، اشترط بموجب المادة 447-1-2، كما يظهر ذلك في النص القانوني، أن يقوم المتهم بالتقاط صورة أو تسجيل شريط للمجني عليه عند وجوده في مكان خاص.

غير أن العديد من الجرائم الإلكترونية، مثل جريمة التقاط الصور المخلة بالحياء التي ظهرت في السنوات الأخيرة، والتي تمس بسمعة وكرامة المرأة من خلال الاعتداء على صورتها، تتم عن طريق التقاط صورتها أو تسجيل مقطع "فيديو" تظهر فيه في الأماكن العامة وليس فقط في الأماكن الخاصة.

ثانيا: جريمة التقاط الصور المخلة بالحياء في الأماكن العامة

بعد أن نقدم تعريفا لجريمة التقاط الصور المخلة بالحياء في الأماكن العامة، سنقوم بتوضيح الأسباب التي حدت بالمشرع الفرنسي إلى وضع تجريم خاص بها.

أ- تعريف الجريمة

يقوم الجناة في هذه الجريمة بأخذ صور أو تسجيل فيديوهات لنساء في غرف تبديل الملابس في المتاجر الكبرى أو في صالات الرياضة أو في المراحيض العمومية وغيرها من الأماكن العامة، من أجل استخدامها لغايات جنسية.

ذلك أن الصور أو التسجيلات غالبا ما يتم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي أو على مدونات مخصصة لذلك، أو حتى على المواقع البورنوغرافية.

ب- لماذا خلق جريمة خاصة بالتقاط الصور الفاحشة في الأماكن العامة

تتجلى ضرورة خلق تجريم خاص بجريمة التقاط الصور المخلة بالحياء في الأماكن العامة في الإشكالات القانونية التي تتمخض عن توصيفها القانوني.

فإلى وقت قريب لم يكن القانون الجنائي الفرنسي يجرم بشكل خاص هذه الجريمة، لأنه من ناحية التوصيف القانوني لم تكن تقع لا ضمن جريمة العنف الجنسي، ولا ضمن جريمة المس بالحياة الخاصة.

1- هل يمكن توصيف جريمة التقاط الصور المخلة بالحياء بأنها عنف جنسي ضد المرأة؟

يعرف قانون محاربة العنف ضد النساء في المادة الأولى منه العنف الجنسي بأنه: "كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد المرأة لأغراض جنسية أو تجارية أيا كانت الوسيلة المستعملة".

صحيح أن مشرع القانون 13-103 سعى من خلال هذا التعريف الواسع للعنف الجنسي إلى توسيع دائرة التجريم إلى أقصى حد ممكن، غير أنه من الصعب توصيف هذا الفعل الإجرامي على أنه عنف جنسي، لأنه ليس هناك أي اتصال بين الجاني والضحية.

أكثر من ذلك فإن الضحية غالبا ما لا تعلم بأخذ صور لها أو تسجيل مقاطع "فيديو" تظهر فيها، وبالتالي لا تتعرض فعلا إلى عنف بالمعنى الذي يعرف به في القانون الجنائي.

2- هل يمكن توصيف جريمة التقاط الصور المخلة بالحياء بأنها مس بالحياة الخاصة للمرأة؟

من الصعب كذلك توصيف هذا الفعل الإجرامي بأنه مس بالحياة الخاصة للمرأة عن طريق تثبيت صور لها ذات طابع جنسي أو تسجيل مقاطع "فيديو" ذات طابع جنسي تظهر فيها، لأن السلوك الإجرامي في هذه الجريمة يتم في فضاء عام.

ذلك أن المادة 447-1-2 تشترط لقيام جريمة التقاط الصور العادية أو الفاحشة، كما هو مبين أعلاه، أن يتم اقترافها في مكان خاص، في حين أن الجريمة التي نتحدث عنها اليوم تتم في الأماكن العامة.

في هذا الشأن قامت بعض المحاكم الفرنسية بإعادة توصيف غرف تبديل الملابس في المحلات التجارية مثلا على أنها مكان خاص؛ وذلك من أجل تطبيق المادة 226-1-2 من القانون الجنائي الفرنسي التي تعاقب على تثبيت أو تسجيل صور شخص متواجد في مكان خاص.

لكل هذه الأسباب، ولكي لا يفلت مرتكبو هذه الجريمة من العقاب، كان لا بد من إضافة جريمة جديدة تتمثل في تجريم التقاط الصور وتسجيل الأشرطة المخلة بالحياء في الأماكن العامة، وذلك من خلال إضافة المادة L.222-32-1 إلى القانون الجنائي الفرنسي.

ثالثا: وضع تجريم خاص بجريمة التقاط الصور المخلة بالحياء في الأماكن العامة

أضاف القانون رقم 2018-703 الصادر بتاريخ 3 غشت 2018 المتعلق بتعزيز مكافحة العنف الجنسي (sexuel) والجنساني (sexiste) إلى القانون الجنائي الفرنسي المادة L.222-32-1 التي تجرم جريمة التقاط الصور المخلة بالحياء في الأماكن العامة.

وتنص هذه المادة على أنه "يمثل جريمة التقاط صور مخلة بالحياء استخدام أي وسيلة من أجل النظر أو محاولة النظر إلى المناطق الحساسة لشخص ما (امرأة) قام، بسبب لباسه أو تواجده في مكان مغلق، بإخفائها عن نظر الغير، عندما يتم اقترافها دون علم الشخص أو دون موافقته".

أ- العقوبات

يجب هنا التمييز بين العقوبة العادية عندما يكتفي الجاني بالتلصص على الأعضاء الحساسة للمرأة، والعقوبة المشددة عندما يقوم بالتقاط صور لها أو تسجيل شريط يوثق المشهد.

1- العقوبة العادية

تنص الفقرة الثانية من المادة الذكورة على أنه: "يعاقب بسنة سجنا و غرامة قدرها 15000 أورو كل من قام بالتقاط صورة مخلة بالحياء".

نشير إلى أن المشرع الفرنسي لم يغفل تجريم الفعل الإجرامي الذي يتمثل في قيام شخص بالتلصص (النظر خلسة) على امرأة تتواجد في غرف تبديل الملابس أو في مرحاض عمومي مثلا أو أي مكان مغلق حتى في حالة غياب التقاط صور أو تسجيل مقاطع "فيديو" (الاكتفاء بالتلصص).

2- العقوبة المشددة

أما إذا قام الجاني بالتقاط صور للضحية أو تسجيل مقاطع "فيديو" تظهر فيها، أو إذا كانت قاصر أو حامل أو ذات إعاقة جسدية أو ذهنية، فإن ذلك يعتبر من ظروف التشديد، تضاعف إثرها العقوبة، بحيث يعاقب المتلصص بسنتين سجنا وغرامة قدرها 30000 أورو.

ومن ظروف التشديد التي نصت عليها كذلك المادة الذكورة، والتي تهمنا أكثر، قيام المتلصص بتثبيت أو تسجيل أو نقل (أي توزيع أو نشر) صور تسجيلات للضحية.

ويعود ذلك إلى أن تثبيت صور الضحية أو تسجيل شريط لها و/ أو القيام بنشر المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي يضر أكثر بسمعة وكرامة المرأة أكثر من مجرد التلصص عليها دون توثيق المشهد؛ فبدل أن ينتهك حرمة جسدها شخص واحد (التلصص دون توثيق)، سيقوم بذلك الملايين عند توثيق المشهد ونشره عبر الشبكات الإلكترونية.

ب- أركان الجريمة

كغيرها من الجرائم، تتكون جريمة التقاط الصور المخلة بالحياء من ركن مادي وآخر معنوي.

1- الركن المادي.

يتكون الركن المادي في هذه الجريمة من السلوك الإجرامي ووسيلة ارتكاب الجريمة.

فالسلوك الإجرامي في هذه الجريمة يتمثل في فعل التقاط الصور الذي يشمل في الوقت نفسه التقاط الصور وتسجيل شرائط تظهر فيها الأعضاء الحساسة للضحية.

ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بمجرد تثبيت الصورة أو "الفيديو" على دعامة كيفما كانت طبيعتها (مادية أو رقمية).

هذا يعني أن الجريمة تقع تامة في ركنها المادي حتى لو لم يكن باستطاعة الجاني فنياً إظهار الصورة أو التسجيل.

من جهة أخرى، لم يشترط المشرع الفرنسي وسيلة معينة تقع بها جريمة الالتقاط، وذلك عندما استعمل عبارة بأي وسيلة".

2- الركن المعنوي

اشترطت المادة 226-1-2L. التي تجرم التقاط الصور الفاحشة لقيام الجريمة أن يتم فعلا التثبيت (الصور) أو التسجيل (الشرائط) دون موافقة المجني عليه أو دون علمه.

هذا يعني أن الجريمة لا تقوم في حالة موافقة الشخص (المرأة) على التقاط صور أو تسجيل شرائط تظهر فيها بعض أعضائه الحساسة.

ويعود ذلك إلى أن رضاء صاحب الشأن يبيح أفعال التقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع الصور والأشرطة حتى عندما تكون مخلة بالحياء أو ذات طبيعة جنسية.

كما أنه إذا قام الجاني بالتقاط صور مخلة بالحياء لشخص أو قام بتسجيل شريط له مخل بالحياء على مرأى ومسمع منه دون أن يعترض على ذلك، على الرغم من أنه كان قادرا على فعل ذلك، يفترض أنه أعطى موافقته على ذلك.

خاتمة:

فهمنا مما سبق أن المادة 447-1-2 من القانون 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، والتي من المفترض أن تحمي صورة المرأة في العصر الرقمي، غير قادرة على حمايتها من جريمة التقاط صور لها (أو شريط) مخلة بالحياء عند تواجدها في مكان عام، وذلك لكون المادة أعلاه تجرم ذلك فقط عندما تتواجد المرأة في مكان خاص.

لذلك نهيب بالمشرع المغربي أن يحذو حذو نظيره الفرنسي (وغيره) بإضافة نص جديد يجرم بشكل خاص جريمة التقاط الصور الفاحشة للمرأة عند تواجدها في مكان عام؛ وذلك حتى لا يبقى العديد من مرتكبي هذا الفعل الإجرامي خارج نطاق التجريم والعقاب.

* أستاذ التعليم العالي- كلية الحقوق المحمدية . خبير- مكون - مستشار في القانون الإلكترون.