قدم الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن تقريره، الذي يعتبر الوثيقة الرسمية الأولى لما قبل إعداد وصدور قرار جديد لمجلس الأمن حول ملف الصحراء في أواخر أكتوبر المقبل، وهو التقرير الذي يستند على القرار الصادر في أبريل الماضي، حيث جدد مهمة بعثة "المينورسو" ستة أشهر فقط تنتهي في 29 أكتوبر، قصد فتح المجال لقرار جديد يتعلق بالمدة الزمنية التي ستمدد لها البعثة مجددا، وكذا مختلف التطورات التي حدثت في المنطقة، سواء كانت أمنية أو سياسية. وفي انتظار قرار مجلس الأمن، فإن التقرير الحالي يفتح المجال لإبداء ملاحظات محددة في أهم النقط المتعلقة بالتقرير:

-أولا: البوليساريو: تنظيم أم جمهورية؟

غوتيريس كان في مختلف صفحات التقرير البالغة 19 صفحة واضحا في المسميات التي يخاطب بها كل طرف، فهو عندما يتحدث عن الطرف الآخر يتحدث عن البوليساريو كتنظيم ويتعامل معها على هذا الأساس، ولا يشير إليها بأي إشارة قد توحي لقارئ التقرير بأن هناك عدم وضوح في المعنى القانوني للوصف الذي يطلقه الأمين العام للأمم المتحدة على الجبهة. إذ طيلة صفحات التقرير، وفي مختلف فقراته، يصف البوليساريو بالتنظيم، ويتعامل معها على هذا الأساس، أي أن النزاع هو بين دولة اسمها المملكة المغربية وتنظيم اسمه البوليساريو، وليس بين دولتين كما تدعي الجبهة نفسها، وهو الأمر الذي يجعل الجبهة مجرد طرف في النزاع يتناقص تأثيره في الملف مع كل تقدم سياسي يحققه المغرب إفريقيا وأوروبيا.

ثانيا: مائدة مستديرة أم مفاوضات:

الأمين العام للأمم المتحدة كان واضحا في الفقرة الأولى من التقرير، فهو طالب مختلف الأطراف بالحضور لمائدة مستديرة بجنيف. وعندما يستعمل غوتيريس هذا الوصف فهو ليس اعتباطيا، بل له أثر سياسي وقانوني على الملف ومخرجاته. كما أنه وضح طبيعة أي لقاءات مستقبلية، فالمغرب عندما وافق مبدئيا للذهاب إلى جنيف كان يعلم أن الأمر لا يتعلق بالمفاوضات التي كان له موقف واضح منها وتصور أوضح عبر عنه ملك البلاد أكثر من مرة بلغة دقيقة، وما الدعاية التي قامت بها الجبهة فور إعلان كوهلر عن دعوة الأطراف للقدوم إلى جنيف ما هي إلا بروباغندا إعلامية للاستهلاك الداخلي وللضغط على الأمين العام للأمم المتحدة ومحاولة جعله أمام الأمر الواقع.

ثالثا: الجزائر طرف رئيسي أم ملاحظ؟

الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره قام بدعوة مختلف الأطراف المعنية بالنزاع إلى المائدة المستديرة دون تمييز بينها، بل كانت دعوة مفتوحة لها، وعلى رأس المدعوين الجزائر، التي ظلت تتنصل من مسؤوليتها تجاه النزاع. فغوتيريس وجه الدعوة إلى الجزائر قصد الحضور إلى جنيف، نافيا عنها أي صفة من قبيل ملاحظ أو مراقب، بل منطق المائدة المستديرة أن الجميع يجلس بشكل دائري ومتساو في طاولة واحدة دون تمييز بين المدعوين أو الجالسين، وهذا بالنسبة إلى البعض قد يبدو لا شيء، لكن بالنسبة إلى المغرب هو نوع من الاستجابة التدريجية للجزائر لتكون طرفا رئيسيا مستقبلا، وحضورها بهذا الشكل قد يمهد لمفاوضات مستقبلية بين المغرب و الجزائر.

رابعا: ولاية تقليدية للجبهة أم مواكبة لتطور النزاع؟

تقرير غوتيريس في جل فقراته تحدث عن نقط محددة في طبيعة ولاية بعثة "المينورسو"، فهو تحدث عن دورها في الحفاظ على السلم والأمن بالمنطقة، وأشار إلى التزام الجبهة بعدم خرق اتفاق وقف إطلاق النار في النقطة الحدودية الكركارات، التي يديرها المغرب. كما تحدث عن الصعوبات الموضوعية التي تواجه الجبهة، خاصة على مستوى التهديدات الإرهابية التي يواجهها شرق المنطقة العازلة حيث توجد البوليساريو.

كما أن التقرير عندما تحدث عن "المينورسو" فقط تطرق إلى ولايتها فيما يتعلق بالقيام بمهمة إعادة بعث الروح في تبادل الزيارات، وتشجيع الأطراف على هذه العملية الإنسانية التي توقفت منذ سنوات..

لكن التقرير لم يتحدث عن استفتاء تقرير المصير ودورها فيه، بل ركز في حديثه عن العملية السياسية على المائدة المستديرة، ولم يتطرق إلى أي إجراء قد يستفاد منه أن الأمين العام للأمم المتحدة يدفع في قيام بعثة "المينورسو" بمهمة إجرائية تتعلق بالاستفتاء. وهو يعكس وعيا أمميا بأن هناك تغيرا فرضه الواقع وتطور المسلسل السياسي الذي تجاوز المهمة الكلاسيكية للبعثة وأعطاها معنى جديدا متمثلا في الحل السياسي المتفاوض بشأنه، الذي يعتبر الحكم الذاتي ترجمة سياسية وديموقراطية له.

 

نوفل البعمري