كان يوما جميلا، لن أنساه ما حييت.. الأمطار لم تتوقف وهي تنزل خفيفة على البدن وعلى الروح كموسيقى موزار، الأطفال يلعبون، وحركة السير لم تتوقف، كأن العالم اتفق على أن يسافر في ذلك اليوم دفعة واحدة.. عندما يصادف السفر نزول المطر، يشعر المرء برقصة الحياة وتستيقظ فيه كل الأحاسيس، يعود الماضي بكل ثقله، بكل أحداثه الباردة والساخنة، لا شك في أن هناك نساء ورجالا يظلون يسكنون في مخيلتنا، كالوشم في اللحم، لا يمكن أن ننساهم مهما طال الزمن.

بعد مرور ساعة من السفر، أوقفت السيارة على مقربة من مكتبة بحي شعبي، معروفة بـ"مكتبة الفقراء" من أقدم المكتبات بالمدينة، أصبحت تبيع الآن الكتب القديمة، صاحبها رجل مثقف، درس بالكُتّاب واحترف هذه الحرفة سيرا على نهج أبيه، مهووس بالروايات العالمية المكتوبة باللغة الفرنسية، الكثيرون يلقبونه بالجوطية "هيغو" نسبة إلى الكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هيغو الذي قال عن كتابه "البؤساء": ضروري أن يوجد مثل هذا الكتاب دائما، ما دام هناك ظلم وغياب عدالة اجتماعية على الأرض.

وأنا أستعد للنزول من السيارة، سمعت صوت رجل يطلب مني بأدب كبير أن أعيد السيارة إلى الوراء قليلا، وبعد ذلك استدرك قائلا لي: إذا كنت لن تتأخر كثيرا يمكنك تركها في مكانها؟ ودون أن أتركه يسترسل بقية الكلام، بدأت أرجع إلى الخلف، ففهم الرجل أنني رجل مدمن، ومعروف بين السكارى أن المدمن لا تكفيه كأس واحدة ولا امرأة واحدة ليشفيا غليله، فما عسى أن نقول عن المدمن على الكتب؟ هل طلة واحدة وتصفح كتاب واحد يروي ظمأه؟

لم ينتظر الرجل حتى أوصيه خيرا بالسيارة، فقد رأيته يهرول خلف سيارة يريد صاحبها أن يغادر المكان، وعاد بالسرعة نفسها وهو يقول لي: "كن مطمئنا السيارة ستكون في أمان".. تركته واقفا في مكانه يضع كيسا بلاستيكيا أبيض على رأسه يحتمي به من قطرات المطر الذي لم يتوقف، وأنا مندهش، ولم أصدق الأمر... خلت نفسي أنني في حلم، وبدأت أتساءل مع نفسي : "هل هذا فعلا عبد الحكيم؟ أيعقل أن يكون هو؟ قلت في نفسي: لا يمكن...لا يمكن... بلغت باب المكتبة، ولم أتقبل الأمر فعدت أدراجي لأتأكد بشكل دقيق، فسألني بشكل بارد: هل نسيت شيئا سيدي؟ فقلت له: نعم، نسيت المظلة، وسألته مباشرة: ألست عبد الحكيم؟، فرد علي: نعم أنا هو، أتعرفني؟ فأجبته: نعم أعرفك من أيام الجامعة، فنظر إلي نظرة طويلة، ولم ينبس ببنت شفة، فتركني وانطلق يجري كحصان فُكَ قيده بعد أعوام من القي.

دخلت المكتبة وأنا شارد الذهن، لا أصدق أن الأيام يمكن أن تلعب لعبتها الماكرة بالإنسان، إنسان القرن الحادي والعشرين يشبه كثيرا الإنسان الأثيني في حروبه وفي ملهاته وفي مأساته.. ها أنا، في هذا اليوم المطير الذي لا يشبه الأيام الأخرى، أقف على تراجيديا حقيقية، تراجيديا رجل يمثل جيلا بأكمله ابتلعه الزمن، ودخل دائرة الإنهاك التام على حد تعبير صمويل بكيت.

عبد الحكيم، لم ألتقِ به منذ أكثر من عشرين سنة، سبقني إلى الجامعة، كان طالبا معروفا في شعبة الاقتصاد، المناضل القاعدي الكبير، الذي كان لا يترك فرصة في تدخلاته الحلقية بالكلية دون الإشارة إلى رفيقه الأعلى "ماركس"، ماركس الأب، والنبي والإله، بالطبع إله النظرية وليس العقيدة، إله الطبقة البروليتارية، تنظيرا وتموقعا في صفها التقدمي.

كان عبد الحكيم المناضل الوحيد بالكلية، الذي له القدرة على حشد أكبر عدد من المناضلين والطلاب من مختلف الشعب، من أجل متابعة مداخلاته القوية ضد النظام، النظام الذي كان يصفه بالوحشي وبالرجعي، وكان لا يتواني في تحميله المسؤولية عن تخلف وتأخر الشعب المغربي.

حاولت، وأنا أفتش بين الكتب، أن أطرد صورة عبد الحكيم من ذهني، فلم أستطع؛ فكل الكتب الحمراء بهذه المكتبة، تحاصرني وتنقلني إلى ذلك الزمن النضالي الصرف، يوم كان المناضل مناضلا، والجامعة جامعة، والطالب طالبا، والأستاذ أستاذا، والكتاب له قدسيته التي لا ينافسه فيها أحد. وفجأة ودون أن أشعر سألت "هيغو" صاحب المكتبة: أتعرف، سيدي، الحارس الذي يحرس السيارات بالقرب من المكتبة؟ رد علي: لا، يا سيدي.. الحراس لا يمكثون كثيرا ويغيّرون المكان إلى وجهة أخرى يبحثون فيها عن رزقهم كالطيور، وأشك في أن هذا الحارس الجديد سوف يقاوم كثيرا وسط هذا المكان قليل الحركة.

غريب أمر هذه الحياة، كان عبد الحكيم شابا نشيطا حركيا، وكان بشعار واحد يحرك الكلية في الاتجاه الذي يريد. وبالفعل، كان التوجه الماركسي الراديكالي الذي يتبناه هو المسيطر والسائد في تلك الفترة.. وها هو اليوم بعدما اشتعل رأسه شيبا، وتغيرت ملامحه كليا، لم يعثر أحدا عن سبب هذا التحول الخطير في حياته، ولا يزال الجميع يتساءلون عن مصابه والذي جعله يفقد صوابه ولم يعد يميز بين الأشياء والأشخاص، وفقد كل شيء يربطه بالحياة، غادر الجامعة والرفاق والكتب الحمراء..

خرجت من المكتبة، أحمل بين يدي كتاب "البؤساء" استغرب "هيغو" ولم يقل شيئا، وقفت بالقرب من شجرة كانت الوحيدة التي تزين ذلك الحي، كانت الأمطار ما زالت تتساقط وبدأت ألوح ببصري لأجدد النظر مرة أخرى في وجه المناضل العتيد، فلم أعثر له على أثر، ذاب كما يذوب الملح.

 

عبد الكريم ساورة*