انتشرت مؤخرا كالنار في الهشيم، فيديوهات عديدة لمهاجرين سريين مغاربة اختاروا المغامرة وكوب الأمواج العاتية، من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، بحثا عن مستقبل أفضل ينسيهم مرارة العيش في بلد لا يجيد احتضان أبنائه، ليبقى السؤال المعلق إلى حين: هل يعتبر قرار مغادرة الوطن قرارا صائبا؟ أمن هناك حلول تغني عن مغامرة غير محسوبة العواقب؟

 

مبدئيا، لا يمكن الاختلاف حول مدى استقلالية الأفراد في اتخاذ قراراتهم الشخصية، مبغض النظر عن سلامة هذه القرارات التي قد تبدوا للبعض من زاويته مجرد قرارات متسرعة، لكن يجب الإقرار بنسبية زوايا نظر الأفراد وعدم إطلاقيتها، فمن حق هؤلاء الشباب اليائسين، في ظل تدهور أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية؛ أن يشتموا التاريخ والجغرافيا وحتى الطبيعة و نظرية زحزحة القارات وغيرها، و أن يقرروا الهجرة نحو وجهة قد تضمن لهم كرم العيش، رغم ما يتطلبه هذا القرار من شجاعة وتضحية بالغالي و النفيس.

 

ما لا يعرفه أغلب هؤلاء المغامرون هو أن بلدهم الأم المغرب، لا تنقصه الثروة، وإنما ينقصه طريقة تدبير وتوزيع هذه الثروة التساوي، وهذا أمر يدركه الجميع و لا يخفى على أحد، بل يمكن القول أن الفردوس المعهود (أوروبا) لا زالت تعيش على ثروات هؤلاء

 

البؤساء، من خلال الاستحواذ و استنزاف الثروات البشرية و المعدنية و الطاقية و الزراعية وغيرها، من أجل تقديم حياة كريمة لمواطنيها، ولو على حساب بؤس الآخرين، وهنا مربط الفرس؟

 

المشكل أننا في وطن لا يمد الأحضان؛ ولا يبادلك نفس الشعور؛ حيث تتفشى جميع أنواع المظاهر السلبية من فساد ورشوة و زبونية ومحسوبية، وهذه مظاهر سلبية تخلصت منها أوروبا عندما قررت اللحاق بركب التنمية والرفاهية و الديمقراطية، رغم أنها كانت تعيش ظروفا مماثلة لما آلت إليه بلادنا، وإن لازال العالم يؤاخذ على بعض الدول الأوربية تفشي العنصرية‘ وخاصة ضد المهاجرين واللاجئين، مازال عندها بعض الظواهر السلبية؛ كالعنصرية.

 

ختاما يبقى قرار الهجرة السرية بغض النظر تأييدنا أو معارضتنا له قرارا شخصيا محضا لمن قرر ركوب الأهوال، لكن ما يجب التأكيد عليه مجددا هو أن الموقع الجغرافي ليس هو الحاسم في رفاهية الشعوب؛ وإنما طرق توزيع الثروة التي تملك منها كل بلدان المعمور تصيبا محترما، مع تفاوت من بلد إلى آخر، و أكبر دليل عما نقول وجود بلدان بأوروبا (وخاصة الشرقية) لا زالت تعيش بعض مظاهر التخلف والديكتاتورية؛ وعلى النقيض من ذلك نجد أن مدينتي سبتة و مليلية السليبتين، بالإضافة إلى جزر الكناري؛ فرغم انتماءهما إلى أرض إفريقية، إلا أن لا أحد يمكنه أن ينكر مدى تفوقهما في مجال مناح الحياة مع مدن لا يفصل بينهما سوى سياج حديدي بسيط.



عابدي مليح