يستطيع نظام الدولة التقليداني أن ينظر إلى كل شيء، من الاستيراد الفج للأفكار إلى مناوءة الخصوم السياسيين؛ هو يجيد حوار اللامعنى لأجل الوصول إلى هدف وحيد هو الفشل السياسي.

يقول عالم الاجتماع الأمريكي هيرالد جابسون إن التطهير الداخلي للأنظمة السياسية المحافظة لا يتأتى بتطويع النمطية السياسية أو ما يشكلها من الرموز المسوغة للفعل التاريخي واندماج مواطنيه في بوثقته، بل يتجاوز هذا الفعل إلى اعتبار السلطة بمفهومها المتحرك نوعا من التجاوز والخروج عن التداوليات الجاعلة من بدائل التغيير جزءا من الحراك الإصلاحي ومقوما أساسيا لحتمياته.

دعونا نوضح هذه الفكرة، إذ يمكن ربطها تاريخيا بالوثبات السياسية المهدورة، على اعتبار أن أغلب القضايا المطروحة للنقاش اليوم هي من هامش التشكيك في توابع انهيار الخطط والبرامج التي تبنتها الدولة طيلة عقود ما بعد الاستقلال وإلى الآن.

وتشير معظم الإحصائيات التي ترعاها مؤسسات تابعة للدولة عينها إلى فشل كل المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأسباب عديدة، منها الفساد وانعدام الحكامة وعدم فعالية الإدارة وانكماش تدابير الفعل السيروري وتغلغل الاستبداد والشطط في استعمال السلطة وتباعد الهوة بين الفقراء والأغنياء...الخ.

بماذا نفسر إذن انعدام النجاعة في تنزيل مشاريع التنمية المستدامة، التي استنفدت طاقة الدولة وأضاعت عنها فرصا ثمينة، استحال معها الحفاظ على توازنات اقتصادية واجتماعية، أنهكتها السرقات المتتالية للأموال العامة، وبطء تصريف ملفات تزكم الأنوف، تقول عنها تقارير المجالس الجهوية والمركزية التي فضحتها إنها جرائم أموال بالدلائل والبراهين؟!.

فخلال سنتي 2016-2017، أنجز المجلس الأعلى للحسابات اثنتي وثلاثين (32) مهمة رقابية في ميادين مراقبة تسيير الأجهزة العمومية وتقييم البرامج العمومية ومراقبة استخدام الأموال العمومية، كما أصدرت غرف المجلس 588 قرارا قضائيا في ما يخص مادة التدقيق والبت في الحسابات، و60 قرارا في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. هذا في وقت أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات أربع (4) قضايا تتعلق بأفعال قد تستوجب عقوبة جنائية على وزير العدل. أما أهم إنجازات المجالس الجهوية للحسابات فيمكن تلخيصها في تنفيذ 128 مهمة رقابية تندرج في إطار مراقبة التسيير على مستوى بعض الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية المحلية، وكذا بعض شركات التدبير المفوض. هذا بالإضافة إلى إصدار 2089 حكما نهائيا في مادة التدقيق والبت في الحسابات و155 حكما في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.

كما واصلت المحاكم المالية عملية تلقي التصريحات الإجبارية بالممتلكات، إذ تلقت خلال سنتي 2016 و2017 ما مجموعه 67.552، منها 61396 على مستوى المجالس الجهوية، ليصل بذلك العدد الإجمالي للتصريحات التي تلقتها منذ سنة 2010 ما مجموعه 22.026 تصريحا.

هذا غيض من فيض، والتفصيل فيه يستوعب الآلاف من صفحات الفساد المستشري، والإفلات من العقاب مع الأسف الشديد جزء لا يتجزأ من منظومته!.

في كل مرة تستبيح الدولة مقدراتها المالية، على الرغم من المشاكل الهيكلية التي جرت عليها شروطا مجحفة من قبل أجهزة البنك الدولي، إذ تقوم بتدبيرها الشوفيني المنحاز إلى العشوائية والتدمير الذاتي، بأساليب عافها الزمن، مخلفة وراءها العديد من المخالفات الثقيلة، المقوضة للسلم التنموي المعياري، وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على امتصاص الصدمات المتتالية، التي كرست تخلفا غير مفهوم، إن على مستوى التوجهات العامة المرتبطة بالإصلاحات الهيكلية المتبعة، أو الانكماش المتداعي الذي يوظف المغرب كماكنة تدجين وتوهيم متواصلين!.

ألم تعلن أعلى سلطة في البلاد فشل النموذج التنموي المتبع؟!.

ألم تعترف الدولة بالاجترار الكامن في السلوك التنموي غير المعبأ، والقاصر عن إدراك سيرورته ضمن المنظومات الاقتصادية والسياسية النموذجية؟.

ماذا نريد بعد كل ذلك غير الإغراق المؤسساتي الذي يغطي بتبعاته المأساوية وتحطيمه لكل أرقام الأمل المنتظرة شهادات العبور إلى المستقبل؟.

ألم يحن الوقت بعد لمساءلة تاريخية حقيقية، حول مدى واقعية القرارات المصيرية الخطيرة التي قد تجر البلاد، لا قدر الله، إلى مهالك تسقط فيها كل النظريات الحاسمة، التي لم تعد فيها السكتة القلبية سوى ذيل لجملة ارتكاسات وتنبؤات طوفانية حقيقة بالوعي السياسي الراشد، الذي يحدد الأولويات ويختزل الإستراتيجيات وينفعل مع التدابير العاجلة، لأجل إيقاف الخسائر بأقل التكاليف!؟.

 

مصطفى غلمان*