نعم، لماذا المدرسة؟ ولأية غاية نريدها؟..في الإجابة عن هذا السؤال البسيط تكمن حقيقة التعليم الذي نريد. لا يمكن التمكن من المدخلات دون امتلاك رؤية واضحة وصريحة ومسؤولة حول المخرجات. النجاح في المقدمات مشروط ومرتبط بطريقة تفكيرنا في النهايات والمآلات؛ فماذا نريد من المدرسة بالضبط؟ ما جدوى المدرسة بالنسبة إلينا؟ ماذا نريد بهؤلاء التلاميذ، بعد أن ينهوا أو لا ينهوا مسارهم التعليمي في مؤسساتنا التربوية؟. سؤال الجدوى سؤال مركزي، ومنه يكون المنطلق، وبه تتحدد الوجهة، ولذلك طرحه العديد من الفلاسفة والمثقفين الكبار، قديما وحديثا، عربا وأعاجم (أبو حامد الغزالي، ابن مسكويه، محمد عابد الجابري، علال الفاسي، روسو، دوركايم، جون ديوي، بيير بورديو..)، وقدموا بصدده إجابات متنوعة، وتحليلات مختلفة، إشكالية ومتضاربة أحيانا.

هو سؤال فلسفي، ثقافي، بعمق سياسي، وبالمعنى المرموق والحضاري للسياسة، ولذلك لا يمكن أن نمتلك رؤية ناجعة وشاملة حول محور التربية والتعليم، ولا يمكن أن نواجه إشكالاته دون امتلاك جواب واضح حول هذا السؤال الجوهري: ماذا نريد من المدرسة؟.. هو سؤال ثقافي وسياسي، ولكنه أيضا سؤال سيادي، سؤال الوطن، ومن ثم فالخوض فيه يتطلب الكثير من الصدق والصراحة المسؤولة، وتتطلب الإجابة عنه استدعاء الكثير من التفاصيل الضرورية، وهذا نموذج منها: ماذا نريد من المدرسة تحديدا، وهل نعرف ماذا نريد بالضبط، وإلى أين نسير، وماذا نصير؟ هل نريد إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية عينها، بالمحافظة على التراتبية نفسها، والأفق المادي والرمزي، تكريسا لمنطق العائلة والحظوة والجاه، فيكون الطريق هو التمايز التعليمي، عطفا على التمايز الطبقي، المسكوت عنه سياسيا، والمعبر عنه واقعيا، إذ تتجه كل طبقة، وبشكل طوعي أو قسري، لا واع في أكثر الأحيان، إلى التعليم الذي يتوافق ومرتبتها، لتصل في النهاية إلى مصيرها المرسوم سلفا؟.

وبالطبع، لا حاجة بنا إلى التأكيد أن الطبقات المحظوظة ليست معنية بمشاكل التعليم، بالمعنى المتداول، لأن لها تعليمها الخاص، برهانات خاصة ومميزة، في حين تغرق باقي الفئات في مشاكل مزمنة، وتؤدي غاليا ثمن التردي الذي تشهده منظومتنا التربوية.

هذه عموما هي صورة تعليمنا هنا والآن، والتي نعبر عنها بأشكال مختلفة، فهل نريد أن نستمر على هذا النحو أم نريد تعليما مفتوحا يخاطب الجميع بلغة واحدة، شكلا ومضمونا، ويضمن التكافؤ التام والمساواة الكاملة، تدريسا وفرصا؟.. وهنا نجد أنفسنا أمام ضرورة العودة إلى المدرسة العمومية، وإعادة النظر كلية في ما يسمى التعليم الخصوصي، والقيام بثورة شاملة تعيد ترتيب الأمور بشكل آخر مختلف، يفضي بنا إلى وضع جديد، وبمنهجية مغايرة، قوامها مدرسة عمومية للجميع، ببرامج ومناهج وفرص متكافئة للجميع. ماذا نريد من المدرسة؟..الإجابة الواضحة والكاملة عن هذا السؤال هي بداية الطريق نحو التخلص مما تعانيه منظومتنا التربوية من تردد وارتباك، إن على مستوى الرؤية أو التدبير. إنه لا يمكن النجاح في المدخلات في غياب وضوح كامل وتام ومسؤول للمخرجات.

 

ابراهيم أقنسوس