يذكرنا ما حدث لخديجة، كما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، بجرحنا البليغ في المجال الاجتماعي، فتاة قاصر يتم التلاعب بجسدها، وتتقاذفها الأيدي والأرجل، بلا أدنى رحمة أو حس إنساني. لست أدري إن كانت المؤسسات المعنية بالمسألة الاجتماعية، سواء على المستوى الرسمي أو المدني، أو تلك التي تعتبر العمل الاجتماعي مطية ومغنما، لست أدري إن كان كل هؤلاء على علم ودراية كاملة بحقيقة مؤلمة مفادها أن قطاعات واسعة من المواطنين لا شيء لهم. الوطن بالنسبة إليهم غول وجد ليفترسهم، ليأخذ منهم كل ما تبقى، مما تبقى لهم، أجسادهم المهترئة، وهياكلهم الصفراء.

إلى هذه الدرجة، نعم إلى هذه الدرجة، واسألوا أطفال الشوارع، وابحثوا عن هذه الكائنات التي تهيم في العراء على وجوهها، وحاولوا أن تفهموا، ولو قليلا، كيف يقضي هؤلاء الصبية أوقات الليل المخيفة، بين الحادية عشرة والسادسة صباحا، حين يغط المترفون وكبار القوم في نومهم العميق، ليستيقظوا بعد ذلك على فطور صحي أنيق، ودوش دافئ. نعم، هذه هي الحقيقة، جزء معتبر منا، لا وطن لهم، ولا مرحبا بهم، في كل مؤسسات هذا الوطن.

والمؤلم أنهم يعرفون حدودهم جيدا، فيتركون لنا مستشفياتنا البئيسة، ومدارسنا التي أخطأت الوجهة، وكل مرافقنا التي نتبختر فيها، ويفرون إلى هوامش مدننا الوسخة، يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، ليلهم كنهارهم سواء، حيث لا خلاص هناك، ولا لا أحد، آه يا خديجة آه. يبدو أن على أدبائنا أن يعيدوا النظر في هذا الذي يسمونه تجريبا، فالكتابة الواقعية أصبحت أمرا ملحا، وتضامنا مع هؤلاء المهمشين، وانتصارا لهم، ولو في الخيال، في انتظار أشياء أخرى، قد تأتي أولا تأتي.

من منا لا يتذكر شخصيات شكري والخوري وزفزاف، وأطفال شريط "علي زاوا"، ومهمشي أديب الواقعية الكبير، نجيب محفوظ. إن مصاب خديجة مجرد مثال، والأمثلة كثيرة، والأسباب متشابكة، ولكنها ظاهرة لمن أراد رصدها ومواجهتها.

أولها: وضعية الأسرة المغربية، التي افتقدت الكثير من بريقها ونجاعتها، بفعل تداخل عوامل عدة، زواج بلا فكرة ولا رؤية ولا مشروع، طلاق بلا منطق ولا قراءة للعواقب. ثانيها: وضعية المؤسسات الاجتماعية، رسميا ومدنيا، والتي تفتقد الرؤية الخلاقة، والمواكبة الصادقة للحاجيات الضرورية للفقراء والمهمشين، وما أكثرهم في بلادنا.

ثالثها: غياب المتابعة المسؤولة للبرامج الاجتماعية، والبحث الدقيق في الطرق والأوجه التي تصرف فيها الميزانيات والأموال التي ترصد لمعالجة الآفات الاجتماعية، محليا ووطنيا، بما يعني محاسبة مؤسسات الدولة، وكافة الجمعيات المعنية بالمجال الاجتماعي، فهذه وغيرها هي الأسباب الحقيقية الثاوية وراء فعل الاغتصاب.

هؤلاء هم المغتصبون الحقيقيون للطفولة والشباب، أما خديجة وأمثالها، فسواء تم اغتصابها عنوة، أو برضاها مقابل المال، كما قال البعض، فالأمران في نهاية التحليل يستويان، لأن من تعرض جسدها للبيع، وهي قاصر وأنثى، لا تفعل ذلك إلا بعد أن يكون كل شيء قد انتهى بالنسبة إليها، وهنا يستوي المغتصب (بكسر الصاد)، بالمغتصب (بفتحها)، كلهم طفولة وشباب مغتصب. الاغتصاب يأكل بعضه بعضا، فما عساها تقول المحكمة: أين المتسببون في كل هذا الاغتصاب؟ أين المغتصبون الكبار؟ من سنحاكم: الأسباب أم النتائج؟ أين السياسات الاجتماعية؟ أين الواجبات التي تم الإخلال بها؟ أين كل هؤلاء الذين ينتظرون الخطاب الملكي، ليذكرهم بأهمية العمل الاجتماعي، وضرورة الانتباه إلى معاناة المواطنين؟ ماذا كانوا يفعلون قبل كل هذا، وطيلة هذه المدة؟ آه يا خديجة آه.


 

إبراهيم أقنسوس