لا أريد في هذا المقال جَلْدَ الذات، فأنا لست جَلَّادا كما أنني لست ملاكا، ولكن بحكم انتمائي لأسرة التعليم، لمهنة التعليم، لحرفة التعليم، التي لم آت إليها صدفة، بل عن قناعة راسخة لدي، وأنا ما زلت تلميذا اقتنعت بأن التعليم أشرف مهنة في المجتمع، وهنا أتذكر المدرسين الذين تتلمذتُ على أياديهم البيضاء، وأدعو لهم بطول العمر ولمن توفي بالرحمة، لماذا؟ لأنهم كانوا القدوة، كانوا النموذج في الأخلاق، في الإخلاص في العمل، في الصدق، في الانضباط.

لقد درست كباقي أبناء الشعب في السبعينيات بالمدارس العمومية، ولكن كانت المدرسة بالفعل مدرسة، والمدرس بالفعل حاملا لرسالة، نظام جميل وانضباط ليس له مثيل، فبمجرد الدخول من بوابة المدرسة يصطف التلاميذ والتلميذات في نظام وانتظام لتحية العلم الوطني مرددين بصوت واحد النشيد الوطني، الذي يرتفع إيقاع حناجرنا مع ختمه بشعار: "الله الوطن الملك"، ويستقبلنا المعلم الذي يقف أمام باب الفصل بوزرته البيضاء شامخا متيقظا، بابتسامة لا تخلو من جدية، ويلتحق كل تلميذ وتلميذة بمقعده في أدب وهدوء، ويشرع المدرس في شرح الدرس وتوضيح الأفكار والطباشير بين أنامله، وهو لا يَكلُّ ولا يَملُّ، وبكل إخلاص في العمل وجدية وتفان يحرص على أن يفهم الفكرة آخر من في الصف قبل الجالس أمامه.

وبالانتقال إلى مرحلة الإعدادي ارتفع إيقاع مستوى التدريس والمدرسين حتى أن أستاذ اللغة العربية، الذي ما زلت أتذكر اسمه، كما أتذكر باقي أسماء المدرسين، الأستاذ "صميد أحمد"، والذي كان قمة في التواضع وبحرا في المعرفة كان يقول لنا بالحرف: أنا لست أستاذاProfesseur - - ولكن مجرد مدرس، الأستاذ مكانه الجامعة. وأنا أكتب هذه السطور أتحسر على كلام هذا الأستاذ الكبير، الذي كان إذا ما تجاوز البعض حدود اللياقة في الفصل كان يرد بكل لباقة: "لا تأكلوا الورود"، ولم أفهم ذلك المعنى إلا فيما بعد، أليس مثل هذا المدرس من شجعنا على القراءة والكتابة وإنشاء مجلة حائطية لنشر محاولاتنا الأولى، فشكرا له وألف شكر. لقد كان مستوى هذا الأستاذ عاليا، وكان يشجعنا أثناء الدرس بأن نفتح نوافذ على أفكار متعددة، وكان القليل من فهم المعنى، وأنا لست منهم، فلم أكن أعرف إلا النافذة في جدار الفصل، ولم أستوعب ذلك حتى التحاقي بالجامعة حيث المنافسة في التحصيل كانت شرسة في جامعة مثل جامعة القاضي عياض، وكانت، مثلا، نسخ بعض المراجع النادرة، إن لم تستيقظ مبكرا وتصطف أمام شباك المكتبة لحجزها تبقى مع الخوالف.

في جامعة القاضي عياض تعلمت القيم والأعراف الجامعية من انضباط داخل المكتبة، حيث يسود صمت رهيب، والويل لمن يخرق هذا الصمت أو يشوش على الطلبة بحديث عابر، حيث يبدأ الاحتجاج بضرب الأقلام الجافة على الطاولات كأسلوب لعدم الرضى عن هذا التصرف المشين، هذا في زمن لم تكن هناك هواتف محمولة ولا هم يحزنون، بل كتب ومراجع محمولة تحت الإبط، ومحافظ محملة بأمهات الكتب، وزهد في المظهر والقشور.

وفي حلقات النقاش تعلمت أن هؤلاء المناضلين متكلمون محترفون، وفهمت فيما بعد أن أرضية نقاش اليوم متفق عليها بالأمس، خارج أسوار الجامعة، وأن الأدوار الرئيسية وزعت بحي "الداوديات" بين الرفاق، وأننا لا نفهم شيئا إلا ما يريد هؤلاء أن نفهمه، ورغم ذلك كانت أدبيات النقاش محترمة، والحق في الاختلاف مكفول، وتقبل كل الأفكار شريطة إقناع "الآخر". بالفعل كانت الساحة تشبه "لا كورا" حلقات لكل الفصائل الطلابية في تضامن وتآخ وافتخار بالرموز الوطنية من شهداء ومناضلين ومفكرين وزعماء سياسيين وطنيين وقوميين. نعم كانت الساحة الجامعة تهتز بالشعارات الحماسية، التي أذكر منها هذا الشعار، الذي كان يدين بنكيران وهو ما زال لم يستوزر بعد، وأنا ما زلت طالبا سنوات التسعينيات بمراكش، وهو كالتالي: "ياسين، بنكيران ومطيع.. ثالوث الخيبة والظلام". وشعار آخر تنبأ بمصير حسني مبارك، مضمونه بالدارجة: "أش خلا ليك يابهية عبد الناصر ملي مات؟ ويجيب باقي الطلبة في المسيرة الحاشدة: "خلا ليك جوج دحوشا.. مبارك والسادات".

لقد كانت الجامعة القلب النابض للمجتمع في تفاعل تام مع القضايا الوطنية والدولية، فلا يمكن أن تطرح قضية على المستوى الوطني إلا تناقش في حلقية، بل حلقيات للنقاش الهادف والجاد.

أنا لا اقول إن هذا الجيل، من هيئة التدريس ومن طلبة وطالبات، غير منضبط، ولكن هو "صراع الأجيال". لكن التغيرات المجتمعية لا تعني زوال القيم أو تغييرها أو الدوس عليها، فحرفة التدريس منذ المعلم الأول أرسطو طاليس إلى اليوم مؤسسة على القيم، فلا تدريس بدون صدق في القول وإخلاص في العمل وغيرهما من القيم النبيلة الفاضلة.

إن أزمة التعليم في المغرب ليست فقط أزمة مناهج وندرة في الموارد، ولكنها كذلك أزمة في القيم، حين يصفع التلميذ مدرسه! وحين يضاجع هذا الأخير طالبته! أو يستلم منها أو منه مبلغا ماليا!. إنها أزمة قيم، إنها أزمة قيم.

أنا لست جلّادا كما أنني لست ملاكا، ولكن أحاول أن أكون في مستوى الرسالة النبيلة.


 

عبد الرحمان شحشي