لم تعد إدلب ملجأً لمعارضي الأسد من مقاتلي الفصائل المسلحة فحسب، ولا هي فقط التجمع السكاني الأكبر لحاضنة الثورة الشعبية، ممن رفضوا التسويات التي أجبرت عليها مناطق حمص وحلب وريف دمشق ودرعا، وليست إدلب «المنطقة المحررة» الأخيرة التي يريد نظام الأسد استرجاعها تحت سيطرته، لاستكمال مشروعه بإعادة إنتاج نفسه أمام المجتمع الدولي، كما أنها ليست فقط المجال الحيوي لتسوية دولية تجمع بين روسيا وتركيا، مقابل بقاء الأخيرة كضامن لقبول المعارضة إملاءات التسوية الروسية في مساري»آستانا» و»سوتشي»، في مواجهة الحلف الأميركي - الغربي، لقلب الطاولة على المسار الأممي في جنيف المدعوم بقرارات دولية لحل الصراع في سورية... إدلب في حقيقة الأمر هي ذلك كله وأكثر، إلا أنها أيضاً في هذا الوقت، هي طوق النجاة الذي يبحث عنه كل من الأسد وروحاني إيران، في مواجهة حملة الترحيل المستعجلة التي تعلنها الولايات المتحدة الأميركية عليهما.

فحيث يبني النظام السوري قدراته على تأخير الحل السياسي المبني على بيان جنيف1، ولاحقاً القرارات الأممية ومنها القرار 2254، وإرادة الولايات المتحدة الأميركية التي أعلن عنها وزير خارجيتها «أن ما يحدث في سورية حرب أهلية ويجب ألا يكون للأسد مستقبل في أي حل سوري مقبل»، ما يجعل وسيلته لتمديد بقائه في السلطة استمرار وجود المعارك البينية مع المعارضة من جهة (وهذه يمكن القول إنها انتهت مع آخر معاركه في درعا)، قبل عملية التسوية الروسية مع الفصائل، وأيضاً معاركه ضد الإرهاب المتمثل في كل من «داعش» وجبهة «النصرة»، وهو يدرك تماماً أن الحل السياسي المقبل يعني إنهاء شكل النظام الحالي بكل ما يمثله، بدءاً من رأس النظام، وانتهاء بشكل الجيش، وبنية الحكم، وطبيعة الانتخابات التشريعية والرئاسية، أي أن استمراره زمنياً ووظيفياً مرتبط:

أولاً، بقدرته على استثمار الوقت اللازم «محلياً» لإعادة تأهيل المناطق التي استولى عليها النظام، مما سُمي سابقاً «مناطق خفض التصعيد»، عبر عملياته القتالية التي استبقت فرض التسويات الاستسلامية للفصائل المسلّحة، ومن ثم قبول بعض تلك الفصائل بدخولها مرحلة التدجين، تحت مسميات تحوّلها إلى شرطة محلية، أو تطوعها في خدمة الفيلق الخامس ذي المرجعية الروسية، أو اندماجها مع الفرقة الرابعة ذات التبعية الإيرانية، وهذا يعني إعادة تنشيط حاضنته الشعبية وتوسيعها أيضاً.

ثانياً، استمرار المعارك في سورية تحت شعار محاربة المتطرفين، لاستثمار الوقت «دولياً» والحاجة الى النظام السوري كقوة مقاتلة على الأرض، تعمل وفق التوجهات الروسية من جهة، وبما يتوافق واتفاقات خفض التصعيد الموقعة في آستانا بضمانة كل من روسيا وتركيا وإيران، التي تتيح للنظام استمرار ادعاء شن الحرب على المتطرفين في أي منطقة في سورية، من جهة ثانية، ما يعني أن شرعية استمرار النظام الحالي يستمدها من شرعية معاركه المفتعلة ضد ما يسمى المتطرفين في «النصرة»، ومن هو في سياق المتحالف معها، ومن هنا يمكن القول إن ظهور أمير النصرة «الجولاني» في المناطق التي يريد النظام إدارة معركته ووقته الأطول فيها، هو خدمة جلية ومأجورة وواضحة لإمهال النظام وتمكينه من تلك المعارك عسكرياً، قبل خوضه معركة التفاوض سياسياً، ما يجعل من إدلب الملجأ الأخير لـ»الأسد» ليهرب إليها من تسارع الوقت الذي تفرضه الولايات المتحدة على روسيا لإنهاء الصراع في سورية وفق مسار جنيف الأممي.

أما النظام الإيراني الذي يراهن ليبقي على وجوده في سورية، ومعركة إدلب هي فرصته الأخيرة لخوض معركة بقائه في المعادلة، ومن خلالها في المنطقة عبر أذرعه الميليشياوية الطائفية، بزعم أنه جاء بطلب من الحكومة السورية، وهو ما نفاه الأسد في لقائه مع قناة «روسيا اليوم» في 31 أيار (مايو) الماضي، معتبراً أن دعوته اقتصرت على القوات الروسية فقط. ورفضت إيران الانسحاب في تصريح لوزارة خارجيتها في (21 أيار 2018)، رداً على دعوة الرئيس بوتين كل القوات الأجنبية للخروج من سورية، مؤكدة عكس ما صرح به الأسد لاحقاً، «بأن وجودها هو بناء على طلب من حكومة دمشق»، ومن ثم إعلان روسيا عجزها عن تأدية التزاماتها بإقناع إيران بالانسحاب. ما وضعها أمام مأزق شرعنة وجود قواتها دولياً، واضطرارها لأن تختبئ في عباءة النظام تارة، وتحت ظل اتفاقات آستانا وثغراتها القانونية تارة أخرى، لتمدد من ضرورة بقائها كقوة حليفة في الحرب على التطرف الذي تمثله جبهة «النصرة» في إدلب.

وسواء بقصد تسريع الحل في سورية، أو إزاحة إيران من المشهد تنفيذاً للمطالب الأميركية - الإسرائيلية والعربية، فإن تصريحات موسكو عن عدم قدرتها على إلزام إيران بالخروج من سورية، هو في مثابة الضوء الأخضر للإدارة الأميركية في إعلان حربها على إيران اقتصادياً وعسكرياً، حتى عندما تكون الضربات مموّهة بالهوية الإسرائيلية، والتي تقف روسيا صامتة تجاهها، على رغم منظومات دفاعها الجوية التي أخذت وضعية الصمت المريب، الذي لم تتجاهله إيران على ما يبدو، وأسست لعرقلة اتفاقات حليفها الروسي بوتين مع نظيره الأميركي ترامب، عبر الدخول في حروب متتالية تصنع لها مسببات تأجيل عملية ترحيلها من سورية، والمنطقة عموماً، وتأجيج الخلافات الداخلية بفعلها، أو بفعل أذرعها كما يحدث في لبنان واليمن.

من هنا، يمكن فهم تصريحات وزير الدفاع الأميركي منذ يومين، بأن خروج إيران من سورية «ضمانة لنزع العامل الأقوى في زعزعة الاستقرار في المنطقة»، والتي تأتي في سياق تأكيد النقاط 12 التي طرحها مايك بومبيو في أيار الماضي، ومنها الانسحاب من سورية، وإنهاء دعم إيران للميليشيات الطائفية، ومنها حزب الله في لبنان والقوى الطائفية في العراق، والحوثيون في اليمن، ما يعني خروج الأمر بما يتعلق بإيران من مجال التفاوض عبر وسيط (الروسي)، إلى رحاب الرسائل الجدية من قوى التحالف الغربي - الأميركي، الذي يستعرض قواه في الطرف المقابل للحشود الإيرانية وقوات النظام في إدلب.

ويأتي هذا التصعيد على جانبي الصراع الدولي، ليس من باب التقليل من حجم التفاهمات الروسية - الأميركية، بما يتعلق بحل الصراع في سورية، وإنما ضمن سلسلة الإجراءات المتفق عليها بين الجانبين، والتي تمر بحالة استعصاء أحياناً، بسبب «الوهم الروسي»، الذي رافق بداية الاتفاق مع الجانب الأميركي، حول قدرتها على عقد اتفاقات تتعلق بمصير إيران في سورية، وإلزام النظام السوري بكامل رموزه الاتجاه خلف الإرادة الروسية في تبني الحل السياسي، الذي يعتمد مبدأ التسويات، مقابل التغيير السياسي الهادئ عبر الدستور، والانتخابات، وخروج القوات الإيرانية، بضمانة الوجود الروسي، «كشرطي منطقة» لا يخرج في اجتهاداته عن سيناريوات الحل التي تضمن مصالح القوى المتصارعة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك ما يتعلق بعقود الإعمار التي أوقف ترامب تدفق فاتحات الشهية عليها، التي وزعتها روسيا على أوروبا، تحت مسمى عودة اللاجئين وتوطينهم.


سميرة المسالمة