قديما كان الملوك يضربون ويسكُّون نقودا جديدة تحمل أسماءهم، باعتبارها إحدى المقومات الرئيسية الدالة على شرعية الحاكم ومشروعيته في الحكم، وأيضا على سلطته ونفوذه، وقد عرف إصدار العملات تطورا تاريخيا كان آخرها الورقة النقدية التذكارية الروسية الخاصة بالمونديال، والتي تحمل صورة طفل يحمل كرة في يده وينظر إلى حارس المرمى الأسطورة السوفياتي ليف ياشين.. نعم لقد أصبحت الرياضة "مملكة" ضخمة السلطة والنفوذ، متشعبة الموارد الاقتصادية، المادية والرمزية.

اليوم نُقود الملوك العرب تحمل صورهم "الأنيقة" الموزعة بين رصانة جدية وابتسامات بهية.. ولن تجد في الملكيات العربية ورقة نقدية تؤرخ لشخصية عبقرية أو مفكرة عصامية.. وكأن هذه الجغرافية صحراء قاحلة من الشخصيات الفكرية والرموز البطولية.. بطل واحد منقوش على النقود والأوراق المالية هو الملك والسلطان والأمير.

معظم الملكيات العالمية المتبقية في الأزمنة المعاصرة، موزعة بين آسيا وأوربا وإفريقيا، وأغلبها تتمتع بثروات عملاقة، وعلى رأسها الملكيات العربية، حيث تنمحي الحدود بين المال العام والثروة الخاصة للملوك والأمراء والسلاطين، مع الاستفادة من ميزانية خاصة لنفقات القصور ورواتب الملوك والأمراء، في مختلف الممالك العربية.

احتكار الثروات الطبيعية، النفط، الغاز الطبيعي، المعادن.. هي أهم ميزة للملكيات العربية، مع الاستثمار ضمن "أندية" مالية دولية، كالكاتل العالمي للمحروقات و"الهولدينغات المالية" في عدة قطاعات الاستثمار، في الصناعة، والفلاحة، والسياحة، والنقل، والرياضة وغيرها كثير.. الهدف هو مراكمة المال.

في كتابه "ثروة الملوك" La fortune des rois يُحلّْلُ الكاتب والديبلوماسي الفرنسي باسكال دايز بيرجون Pascal Dayez-Burgeon علاقة التلازم التاريخية بين الأنظمة الملكية والثروة والثراء.. قد تبدو أحجية علاقة الملوك بالمال من الأمور البديهية العادية، غير أن تفكيك قطع الأحجية يكشف عوالم خفية ترتبط بنمط حياة الملوك والإرث الملكي ومجال الاستثمارات وأسرار النوادي الملكية في إمبراطورية المال والأعمال.

يلعب المال دورا مفصليا في صناعة مفهوم جديد لـ "المُلْك".. صناعة أمراء وملوك بلا عروش ولا تيجان.. كملوك الشركات العابرة للقارات، والتي أصبحت أعلامها أكثر شهرة من أعلام الكثير من الدول، على غرار شركة "مايكروسوفت" وشركة "شل" للبترول وشركة "بوينغ" وشركة "نايك" للملابس والأدوات الرياضية، وشركة "سامسونغ".. وغيرها من الإمبراطوريات الاقتصادية الدولية.. لذلك لا داعي للتعجب إذا كان الرئيس الأمريكي "قرصان المال" ترامب يعرف جيدا أعلام كبريات الشركات العالمية.. ويجهل رسم العلم الأمريكي كما حدث مؤخرا في ورشة رسم بمستشفى الأطفال بولاية أوهايو.

وإذا كانت الملكيات الأوربية التي لا تتجاوز عدد أصابع اليدين، تخضع للمساءلة والمحاسبة، ودفع الضرائب، انطلاقا من كونها ملكيات ديمقراطية، تسود ولا تحكم، فإن الملكيات العربية، لا تخضع للمساءلة والمحاسبة، إلا أمام الله.. مع امتلاكها لسلطات واسعة، يجعلها ملاذا للوشاة ومحترفي الولاءات عوض العباقرة والكفاءات.

تقريب الأنظمة الملكية العربية للمتملقين والمنتفعين والمنبطحين الوصوليين، وإبعادها لذوي الكفاءات والاستحقاقات، أفضى إلى استفحال الفساد في كل المؤسسات، وتفاقم الأزمات، أزمة التعليم، أزمة الصحة، أزمة السكن، أزمة الشغل، أزمة العنف، أزمة التربية.. وربيع ثورات الشعوب الحرة، سواء اعتبره البعض مؤامرة أجنبية، أو أقَرَّ آخرون بأنه نتيجة حتمية للوضع المأزوم، فإنه شكل ثورة ضد غياب العدالة الاجتماعية والرغبة الجامحة في العيش الكريم.

إِبَّان الاستعمار ثارت الشعوب الحرة في كل مناطق الكوكب الأرضي، على المستعمر الذي كان ينظر إلى الأوطان المحتلة، كجزيرة "كنز" يَحِقُّ للمُحْتلِّ نهْب خيراتها، وكان ينظر إلى سكانها الأصليين، كعبيدٍ خُلِقوا لخدمة "السادة" المستعمرين بمنتهى الخنوع والطاعة والخضوع.. غير أن الأحرار في العالم قاوموا الاستعمار من أجل الحرية والكرامة، ومن أجل الكرامة سيحتجُّ الأحرار دائما، ضد العبودية وضد التفقير، لأن التفقير يعني الحرمان، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الحرية في غياب "العدالة الاقتصادية".

الحرية كما تُؤكِّدُ الفيلسوفة حنا أرندت تتجسد في الفضاء العمومي، بمعنى أن الحرية هي القدرة على الفعل، ومفهوم القدرة على الفعل يعني توسيع خيارات المواطنين، وقدرتهم على الاستفادة من العيش الكريم، كالسكن اللائق والتعليم الفعال والصحة الجيدة، والمشاركة والاستفادة من الإنتاج والتوزيع العادل للثروة، وحرص الدولة على الرقي بالمواطنين، لإنجاز ثورات علمية، ثورات، تربوية، ثورات فلاحية، ثورات طبية، ثورات اقتصادية..

الفقير إمكانته فقيرة، والخيارات المتاحة أمامه قليلة، فهو لا يستطيع توفير السكن اللائق لأسرته، لا يستطيع توفير التعليم الجيد لأبنائه، بل يدفعهم باكرا للعمل وهم أطفال في سن الزهور، فيتعرضون للعنف والتحرش والاستغلال.. هكذا يحرمهم الفقر من الترقي، ويرمي بهم في أتون الجهل والانحراف والجريمة والعقد النفسية.. أما مقولة: لولا أبناء الفقراء لضاع العلم، فأصبحت مجرد أفيون لتنويم الفقراء.

أمام استفحال الفساد في الملكيات العربية، علما أن "المَلكِية" هي "ذِهنية" عربية بامتياز، مُتجذِّرة في كل الدول العربية، وتحضر بشكل أكثر خبثا في الأنظمة المغلفة بشعارات "الجمهوريات الديمقراطية"، حيث زواج المال بالسلطة ينسج شبكات عنكبوتية، توفر للرئيس "الملك" الكثير من السَّدنة الفاسدين، الذين يديرون مشروع الفساد.

هيمنة الفساد في "الممالك العربية" وغياب الإرادة الحقيقية لاجتثاثه.. الفساد لا يحارب بأدوات فاسدة، بل بتفعيل المشروع الديمقراطي، الذي يبدأ بتطهير الوطن من المفسدين، مما يدفع الشعوب إلى الانخراط في "الثورات البناءة".. ثورات في مجال العلم، التكنولوجيا، الفن، المعمار، الرياضة.. وبالتالي تقدم الوطن وترقي المواطنين وفق معيار الكفاءة والجدية، والشعور بالعدالة الاقتصادية، مما يجعل المواطنين يؤمنون بقيم المواطنة، ويكرسون حياتهم لخدمة الوطن، وخدمة الوطن ليست شيئا آخر سوى خدمة المواطنين.. في دولة الحق والقانون والمؤسسات، حيث معادلة الحقوق والواجبات متوازنة، أبسط مثال: جودة التعليم والصحة التي تعتبر من الحقوق البسيطة التي يستفيد منها المواطنون في الدول الديمقراطية، رئاسية كانت أم ملكية.

في الممالك العربية من المحيط إلى الخليج، مآسي الصحة تُحوِّل رغبة المواطنين في مؤسسات صحية من "حق مشروع" إلى "حلم أسطوري".. في حين أن الحكام والنافذين يحصلون على العلاج في أفخم المصحات الغربية.. وهو ما يبرهن على أن حياة هذه الشعوب لا معنى لها، وطوابير الفقراء، والبؤساء، والعاطلين والمشردين والمجانين والمحتجين لاقيمة لها.

لهذه الأسباب ينصح باسكال دايز بيرجون "ملوك العرب" بتفعيل الديمقراطية، وإنجاز العدالة الاجتماعية عبر العدالة الاقتصادية، وأخذ الدروس من ربيع الشعوب الحرة.. الفقراء ليس لهم شئ يخسرونه، وأعزُّ ما يملكونه هو الكرامة.. التي ثار الأحرار على مرِّ التاريخ لحمايتها، وسيثورون دائما لاستردادها.. الكرامة ليست كلمة جوفاء بل هي العيش الكريم.. والعيش الكريم يقتضي العدل بكل تجلياته، لأن العدل هو قنطرة الإنصاف L équité.. لا يعقل أن يمتلك الملوك العشرات من القصور وشعوبهم تعيش في قصور(العجز).. وهذا مغزى "العدل أساس الملك"..

berhilanor@gmail.com