نجحت هذه السنة بامتياز في طلاق القنوات التلفزيونية المغربية، باستثناء يوم السبت أو الأحد كنت أتابع فيهما بعض البرامج التنشيطية، من أجل أولا: الترويح عن النفس، وثانيا: من أجل معرفة الجديد الذي يهيمن على هذه القنوات.

والحقيقة، لست مستغربا مما تعرضه هذه القنوات والتي يفرض علينا فرضا تسميتها بـ"القنوات الوطنية"؛ لأن الوطن، ببساطة شديدة، لا يمكن بناؤه بهذه البرامج السطحية حتى لا أقول التافهة تنقيصا منها.

وعندما قلت لا أستغرب، أعرف جيدا أن هذه القنوات هي مجرد أركان خفية لثقافة المخزن العتيق، وكل ما يمكن أن تقدمه هذه القنوات لا يخرج عن ثقافة الإلهاء والتسطيح.

ثانيا لا أستغرب، لأن الجمهور ليست له القدرة على الاختيار، فهو أصبح رهينا وعبدا متحكما في ذوقه. لقد نجح المخزن في صناعة ذوق محدد، بلون خاص وبطعم خاص، وكل واحد من الجمهور يحاول مقاومته وهجره لا يستطيع. فلا غرابة، إذن، أن نلاحظ فئة واسعة أصبحت سجينة لهذا النظام الاختياري القاسي.

أمام هذا الهجوم الكاسح، ومع التطور التكنولوجي الجديد، هل غيّرت الدولة من إستراتيجيتها في السياسة الإعلامية، خاصة البصرية؟ لم تغير البتة من سياستها، فما زالت تشتغل بالمنطق نفسه وبالروح ذاتها وكل ما تغير هو الوجوه الشابة والأكسيسوارات الجديدة، "بلطوات بألوان مثيرة" مع الاعتماد على برامج جديدة تم تقليدها أو نقلها حرفيا من قنوات أمريكية أو تركية.

الجديد في هذه البرامج يتمركز على ثلاثة عناصر مركزية:

العنصر الأول يتمظهر في البرامج الغنائية، وهنا نجد كيف تم التركيز على عنصر الغناء وتقديمه على أساس أنه فرصة الحياة للشباب، وأنه البوابة الوحيدة للثروة والشهرة والوجاهة الاجتماعية. لهذا، فهذه البرامج تحاول إيهام هذا الشباب أن حلمه الحقيقي لا يمكن أن يتحقق سوى مع هذه البرامج الغنائية ومتابعتها، ولو في آخر الدنيا. إنه الحلم الأول والأخير لتكون أو لا تكون.

هذا من جانب صناعة الشباب، أما الجانب الخفي، فهو متابعة الأبوين لهذه الموضة ومسايرتها وتشجيعها وتشجيع أبنائهم للسير فيها وهم جد مطمئنين من نتائجها التي ستعود عليهم بالخير الوفير.

كما لا ينبغي أن ننسى الأمر الأهم في اللعبة وهو متابعة الجمهور العريض لهذه البرامج ومشاركتهم ومساهمتهم بالإيميلات في سقوط أو نجاح المرشحين. ومن هنا، أصبح لهذه البرامج حضورا وشرعية أكبر، وأصبح الجمهور يقود نفسه بنفسه نحو التفاهة المقدسة دون أن يشعر أو يدري.

العنصر الثاني: وهي برامج الفكاهة، فشخصية "كبور" هو النموذج الذي يجب أن يحتذى به في مجال الفكاهة والسير على خطاه في عملية النقد، النقد لا يجب أن يتعدى السلوكات الاجتماعية للإنسان القروي أو بكلمة أكثر وضوحا "العروبي"، ولا تقترب هذه الفكاهة من بيت السلطة والثروة والفساد؛ فهذه موضوعات يجب أن تظل في الظل كأصحابها مجهولون لا يمكن أن تتعرف عليهم سواء في في الواقع أو في الإبداع، والجمهور يجب أن يتعلم أن يضحك على نفسه بنفسه، والفكاهة لم تخلق سوى أن تعري هذه المخلوقات العجيبة وتبيان ما تحمل من أحقاد وكبت ومجاعة وعض كالكلاب فيما بينهم، هم النار والحطب، وهم الموضوع الذي يجب أن يقدم كمادة للضحك من أجل تنشيط الأغنياء.

التلفزة تجتهد أن تقدم موضوعات جديدة قديمة إلى الجمهور، بتوابل عصرية وحديثة، واختيار لجان ملقمة غير متجانسة تعطي للطبخة طعما مختلفا يكون قريبا جدا من ذوق الجمهور، إنه تحالف خفي بين اللجنة والجمهور لصناعة "فكاهيين" من طينة "النموذج العظيم" كبور الذي سيصبح بقدرة قادر "ملك الإشهار".

بهذه النماذج المهلهلة، نجحت التلفزة في صناعة جمهور يضحك، لا يتعلم أي شيء سوى الضحك على كل شيء، ليس من حقه أن يفكر، ليس من حقه أن ينتقد، ليس من حقه أن يحتج أو يرى في هذا الفن أي خلاص من القهر والفساد والاستبداد الذي يعيشه، كل ما عليه أن يتعلمه سوى التصفيق لكل اللاعبين في هذه اللعبة، لعبة التصفيق على كل شيء، ولو كان على حساب ذوقهم العام، ومعيشهم اليومي.

العنصر الثالث: وهي برامج الطبخ، وتهدف هذه البرامج إلى التسويق لثقافة الأكل، الجمهور يجب أن يتعلم كيف يفكر في بطنه قبل كل شيء، عليه أن يستغل وقته في تعلم فن الطبخ وخصوصا العنصر النسوي. وعليه، فيجب أن تتذكر المرأة المثل المشهور "أقرب طريق إلى قلب الرجل معدته". ولهذا، ففلسفة الأكل هي السبيل الوحيد للتحكم في مصير الرجال وفي غزو قلعهم المسيجة.

ها هي التلفزة المغربية بحكمتها العظيمة تفتح برامجها لتعلم الطبخ، كل أنواع الطبخ، بكل قرى ومدن المملكة، وعلى كل من يعرف شكلا معينا من "الشهيوات" أن يتقدم ويشارك في برامج الطبخ المتنوعة، وعلى كل من يرى في نفسه القدرة على تقديم وصفة جديدة فليتقدم، بمن فيهم الفنانون والمغنون والرياضيون، على الجميع أن يسهم في الشعار النبيل "الأكل للجميع"، وعلى الجمهور أن يستفيد من هذه الدروس التي تقدم بالمجان، ويصنع لنفسه مستقبلا زاهرا في عوالم الأكل.

ها نحن نكتشف أن القنوات المغربية تقدم مشروعها الكبير في صناعة الإنسان ومستقبله من خلال ثلاثة عناصر: الأكل والضحك والغناء، تبدو في الظاهر أنها أساسية وضرورية، وعلى كل واحد منا يجب أن يتشبث بها ويبحث عنها، وهذا ليس عيبا؛ ولكن يبدو أن هذا حقا أريد به باطل، عندما يتم ربط الإنسان فقط بهذه العناصر، لأنها ستحوله لا محالة إلى إنسان مفرط في الاستهلاك، إنسان لا يفكر سوى في نفسه وتنشيط جسده، إنسان لا يسمع أبدا أغنية "أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي". لا شك في أن التلفزة ستصنع إنسانا مفرطا في إنسانيته، على حد تعبير نيتشه.

 

عبد الكريم ساورة