لا أعتقد أن النخبة السياسية المغربية اليوم لازالت تقبل على مختلف الكتب الفكرية والنظرية والإيديولوجية، لأنها لم تعد ربما متصلة بمصيرها وسلامة رؤيتها، أو لكونها باتت متجاوزة، وبالتالي عاجزة عن الاستمرارية في الدفاع عن وجهها الإنساني؛ فأمام التحديات الكبرى والسريعة التي بات يشهدها العالم كل يوم، وانقسام الناس حولها، لم يعد تحقيق التمفصل بين مقتضيات التخطيط العلمية وبين مقتضيات الديمقراطية من أولوياتها، وحتى وإن وجدت فإنها تقتصر على فئة معينة من الفئات المنتمية إلى دائرة المركزة البيروقراطية؛ ما جعل النموذج المغربي ميكانيكي الطراز تصدر فيه التعليمات من فوق، وتترجم عبر سلسلة من الرقابات البيروقراطية والسلطوية.

لقد باتت المركزية عقبة حقيقية تعيق النمو والإصلاح وتشجع على فوضى المصالح الإدارية والمؤسسات، وتنشر التناقضات والتوترات بين مكونات السلطة نفسها. إنه القلق الذي ولد جملة من الأسئلة أمام الجميع، وخلق حالة من الضعف والنقص لدى النخب السياسية التي باتت بدون بوصلة، وتجاوزتها أحداث ووقائع كبرى مثل موت الأطفال والنساء والشباب في قاع البحار، والتغيرات المناخية، ومشكل الماء وظاهرة التصحر، وشح الموارد الطبيعية والمعدنية، والنقص في البنيات التحتية كالتربية والصحة والسكن، وانخفاض القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، وسوء تعامل النساء والشباب، وانتشار الرشوة والفساد والهشاشة الاجتماعية..

فكيف يمكن تجاوز هذا الوضع، وبأي وسائل؟

إن ولوج الواقع الحي خارج الوعي بما يجري من حقائق اقتصادية وسياسية، والاتكاء على الوسائل التقليدية المستخدمة والحافية، لم يعد ممكنا في ظل الثورات العلمية وثورات تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وفي ظل الجهد النظري المجدد للعديد من المقاربات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي تقوم على التقاط حركة الواقع كما هي والبحث عن الحلول الآنية لتلبية حقوق المواطنة وتوفير لوازم الحياة الضرورية لهم.

إن الرجوع اليوم إلى ماركس وانجلز ولينين وماوتسي تونغ وغرامشي وغيرهم لا يجب أن يكون من أجل أن نعيد استنساخ مراجعهم وأقوالهم ونظرياتهم، بل من أجل استخدام مناهجهم في زمننا وبلادنا كما فعلوه هم بالنسبة إلى عصرهم وبلادهم، وأن نطور فكرهم من خلال إعادة التفكير فيه في ضوء ظروفنا ومحننا الجديدة.

لقد كانت إلى وقت قريب "الديمقراطية التمثيلية" أرقى أشكال النظريات المدنية التي يختار فيها الناخبون من يمثلهم في انتخابات حرة ونزيهة، تمكنهم من صلاحيات لأخذ المبادرات وإحداث التغيرات. ومن أجل ضمان المردودية والإنتاجية وإنجاح المبادرات، تم الرقي بالديمقراطية إلى مصاف التشاركية واعتماد أسلوب الحوار والتشاور لتدبير الشأن العام، انطلاقا من الشرط الأكثر أهمية، ألا وهو شرط الحرية؛ أي إن كل مواطن، كل موظف أو مسؤول يحمل مسؤولية كل عمل يقوم به لدى ممارسته وظائفه، وهو مسؤول عن ذلك أمام المحاكم وبموجب القانون. وهنا لا بد من التذكير بأن هذا النموذج من تدبير الحكم والسلطة نشأ في مجتمعات الحرية والعلم وفصل الدين عن السياسة.

ونحن في تجربة حركة قادمون وقادرون –مغرب المستقبل سنحاول البحث عن مداخل لإنتاج المعرفة الضرورية لحالتنا، وسنجتهد لتجاوز المخططات البالية والنماذج الخارجية التي تجاوزها الواقع، كما سنحاول الدفاع عن ائتلاف وطني يبنى موضوعيا على علاقات جديدة بين كل أصناف الفاعلين الوطنيين، بعيدا عن المفاهيم الكلاسيكية التي لم تزد النخب السياسية إلا غموضا في مواقفها وإدراكها العلمي للواقع.

إن من كان يراهن على اضمحلال الدولة وزوالها، باستخدام مؤسساتها ضد العدو الطبقي من أجل بناء دولة شعبية حرة ونزع الملكية بالقوة، وإدخال الفلاح الصغير الملكية واستثمارها العائلي في التعاونيات، وقيادة الانتفاضات العمالية وغضب الشغيلة، ومناهضة البورجوازية، ليست باستطاعته اليوم إنتاج معرفة نظرية حول واقعنا الحالي الذي غابت فيه كل الشروط التاريخية التي ساهمت في بلورة الفكر القائم على العلاقة بين المنطقي والتاريخي.

لقد مرت على الأحداث الكبرى والثورات العالمية عدة قرون، ومر القطار بسرعة على العديد من مناطق ودول العالم، وكان نصيبنا نقد التفاسير النظرية البورجوازية لحالتنا، من دون تقدم صياغة سياسية علمية بديلة عن السياسات المحافظة والمخزنية لحركاتنا التحررية.

طبعا لقد ساهمت البنية القبلية والكلونيالية لبلادنا في تعدد الانتماءات وتناقض الولاءات، وعدم وضوح الواقع الاجتماعي والوعي الاجتماعي، ما أدى إلى انعدام التطابق بين المبادئ الإيديولوجية والمواقف السياسية الملموسة.

لقد تأثرنا بحركة التنوير العربية، وبفلسفة الأنوار، وعارضنا الدولة المركزية العثمانية، وقاومنا الاحتلال، وتكون لدينا الحس الوطني متأثرا بالحركة السلفية ونفوذ الزوايا، ونشأت برامج ومواقف ورؤى الحركة الوطنية وانصهرت في جلالة السلطان، وما تلته هذه الفترة من انقسامات - أججتها البنية الإيديولوجية بتناقضاتها الطبقية - بين مختلف البنيات الفكرية التي نهضت على قاعدتها مسارات النضال السياسي للنخبة الوطنية المغربية، بجذورها العائلية وتكونها التاريخي والثقافي.

وإن ما يزيد الطين بلة اليوم هو الجهل التام بهذا التاريخ لدى النخب السياسية القائدة ولدى الشباب والنساء من الجيل الجديد، لأن الأعمال التاريخية ظلت موضوعة فوق الرفوف، وهي أعمال تنتمي إلى مرحلة أخرى تماما تسبق مراحل ما سمي النضال الثوري الماركسي اللينيني في فترة تتراوح من خمسة عشرة إلى خمسين سنة، وقد مات كتابها باستثناء عدد قليل منهم.

وبعبارة أخرى، إذا كان الصراع في المغرب بين إيديولوجيات وبين بنيات فكرية فإنه لم يقدم جوابا واضحا في ما إذا كانت النخبة المغربية تشكل طبقة اقتصادية بالمفهوم السياسي للطبقة أم لا. والحقيقة أن العلاقة بين الفكر والواقع ظلت غامضة في بلدنا، وهو ما ساعد السلطة السياسية على خلق نفوذ وأقطاب وقواد وبشوات وأعيان ينحدرون من جذور اجتماعية واسعة ترتكز وضعيتها على الطاعة والولاء للسلطان وعلى النفوذ الديني والثقافي.

هذه هي الأسئلة التي كبرت معنا داخل حركة قادمون وقادرون-مغرب المستقبل، والتي لا يتداولها غيرنا إلا على هامش الدراسات العلمية وندوات الدوائر المركزية المغلقة، في غياب تام للحوار الشعبي المنتج والمثمر بين المكونات الأساسية للمجتمع، وهو ما يزيد من طمس حقائق الصراع الطبقي بالمغرب، ويشجع على غرس التوتر، والانشقاقات، والتمرد، والسخط، والرفض، والعدمية.

إننا كحركة مدنية، اجتماعية وديمقراطية، نحاول إثارة انتباه الجميع إلى الفراغ الذي بات يخترق الفضاءات العمومية وحقول العيش المشترك، ونبحث عن الوسائل الضرورية لذلك. ومن أهم تلك الوسائل التعاون والحوار للنهوض، خاصة بقضايا المرأة والشباب. إن قوة توجهنا تكمن في عملنا الجماعي من أجل المواطنة ومقاومة العبث، وتشجيع الجيل الجديد على حب الوطن والخلق والإبداع، وطرح أفكار جديدة للعمل بدل إصدار الأحكام، خاصة مع تنامي جشع المنتفعين والمضاريين الريعيين و"المعلفين".

وضمن هذا الإطار، نحاول الإسهام في استكمال معركة بناء الدولة الديمقراطية المناقضة لدولة السطو والعنف واستعباد الناس، كما نريد إشاعة العلم والمعرفة والتنوير، ونطمح إلى إتاحة الفرصة لفئات اجتماعية واسعة لممارسة السياسة المواطنة، من خلال جبهة الأطر والكفاءات، والتي باتت اليوم ضرورة تاريخية، وقنطرة للتخلص من كيانات العبث، وركوب الكيان السياسي أفرادا أحرارا مستقلين.

إن الجديد الذي نحاول إضافته بغض النظر عن نواقصه يجد ضالته في تشجيع الأطر والكفاءات وعموم الشباب والنساء على الانخراط في تجارب نوعية وجديدة، قائمة بكل وضوح على الإيمان بالدولة المدنية، الاجتماعية والإنسانية. تلك الدولة التي تحترم المساواة بين المرأة والرجل والحريات العامة، وتشجع على العلم والمعرفة، وتنشر الوعي الحقوقي، وتنبذ العنف والإرهاب المادي والفكري، وتقوي مساحات الضوء القائمة على العقلانية والتسامح.

وبالإضافة إلى هذا نريد دعم الانتقال الديمقراطي والتحول المطلوب والمنتظر لبلادنا، ضد الانتظارية السلبية وضد الدوغمائية والقمع والاستغلال والجهل، فكرا وفنا وجمالا، من أجل تصفية الإرث النيوكولونيالي، وإعادة النظر في السياسة المخزنية التي تنهجها السلطة، والتي تتباهى بالقوانين، بدل تأسيس تطور التربية السياسية التعددية وإقرار حقيقي للمساواة والتماسك العضوي، وربط الخطاب السياسي بالواقع المعاش، والتشجيع على استقلالية النخب عن السلطة.

كما نسعى إلى إخضاع ممارستنا للأدوار التي تتلاءم مع قناعتنا، من خلال التعبير بحرية واستقلالية عن مواقف مناصرة للتقدم والحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وتقوية شبكات علاقتنا في الداخل والخارج لتبادل الخبرات وبلورة برامج التعاون والشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، وتنظيم ندوات ودورات تدريبية حول السياسات العمومية، وإنجاز دراسات وأبحاث من شأنها الرفع من مستوى الأطر والكفاءات والشباب الفاعل، لتقوية مناعتهم وتمكينهم من تحمل المسؤولية وإبعادهم عن أي تقويض أو تحكم، أو انبطاح، وإعداد مذكرات ترافعية بخصوص قضايا ومشاريع المؤسسات المعنية بالحق في الثروة، والعدالة المجالية، والبنيات الأساسية، ونشر الثقافة النقدية وغيرها من وسائل المعرفة والإعلام والتوثيق المناسب للنهوض بالتربية على المواطنة وثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية.

 

المريزق المصطفى