هناك الكثير من الامور والقضايا التي يتباين فيها المواقف بين الجناحين الرئيسيين في نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، ولكل جناح مبرراته وتفسيراته الخاصة بشأن ذلك، لكن نادرا ما تجد أن يجتمع الطرفان على موضوع سلبي، كما هو الحال مع قضية الفساد التي يقر كل منهما بوجوده وبدوره السلبي في مختلف النواحي، لكن مع ملاحظة إن كل جناح يلمز الآخر بكونه أساس ومصدر الفساد!

بعد مضي أربعة عقود على تجربة الجمهورية الاسلامية الايرانية، وما حوتها تلك التجربة من الكثير من الامور والقضايا المثيرة على مختلف الاصعدة بما حوتها من تناقضات وإختلافات ورٶى غريبة وصلت الى حد أن تحدث مواجهات بالايدي والاجل في داخل البرلمان الايراني، بل وإنه وبعد كل هذه الاعوام الطويلة، أمر يلفت النظر كثيرا أن يرفع رجل دين يوم الجمعة المنصرم في مدرسة "فيضية" الدينية بمدينة قم، يافطة كتب عليها "يا من ترفع شعار التفاوض، انتظر مصيرك في بركة سباحة فرح"، في إشارة إلى وفاة هاشمي رفسنجاني في بركة سباحة تابعة لمجلس تشخيص مصلحة النظام، وتهديد الرئيس روحاني بتلقي نفس المصير في حال تفاوض مع أميركا حول الاتفاق النووي. ولاغرو فإن موقف هذا الرجل ليس مجرد موقف عابر، خصوصا وإن للنظام الايراني تجربة طويلة جدا في مجال "تصفيات" الخصوم ومن يجدون في موته راحة للنظام، وإن التصفية بهذه الطرق تعني أمرين؛ أولهما مسألة الدولة العميقة في إيران وإنها هي التي تتحكم بالاوضاع، وثانيهما إن الفساد قد وصل بالنظام الى مرحلة بالغة الخطورة بحيث يتم تصفية رجل كان يوصف بصمام أمان النظام وبوصلته السياسية للخروج من الازمات الطاحنة.

عندما يكشف إسحاق جهانجيري مساعد الرئيس الإيراني روحاني الأول أن الفساد في بلاده وصل إلى السلطات العليا، وأن الأمر أصبح مدعاة قلق للجميع، فهذا التصريح يأتي بعد التهديدات شديدة اللهجة التي أعلنها المرشد الاعلى للنظام باللجوء الى عقوبة الاعدام لتصفية "بعض" من الفاسدين. لكن السٶال هو من هم هٶلاء الفاسدين، ومن المقصود بهم؟ الإشكال الذي يواجه كل من يستقصي هذه القضية، يجد إن التهم تتطاير بين الجميع يمنة ويسرة ضد بعضهم البعض، مع ملاحظة إن الرئيس السابق أحمدي نجاد قد خطا خطوة للأمام بأن حدد الاخوة الثلاثة لاريجاني بالتورط في الفساد وهو أمر أكده المجلس الوطني للمقاومة الايرانية/المعارضة الايرانية في المنفى بأن أكدت أن رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني يقوم بإستغلال منصبه وله مئات الحسابات في البنوك بهذا الصدد. والمثير جدا هنا إن الاخوة لاريجاني مقربون من المرشد الاعلى ومحسوبون عليه كما إن الحرس الثوري الايراني هو الآخر تحوم حوله شبهات الفساد وإستغلاله لسطوته وقربه "الشديد" من المرشد الاعلى ولاسيما وإنه يهيمن على جانب كبير من الاقتصاد الايراني وتوجه له تهمة إنتشار الجفاف والتصحر والعطش التي باتت تهدد إيران بفعل المشاريع المختلفة التي قام بها ولاسيما بنائه السدود بدون دراسات علمية مطلوبة لذلك. بل وإن الاخطر من ذلك كله عندما يتم نشر قائمة بأسماء أبناء المسٶولين الايرانيين ممن لهم حسابات بالمليارات والملايين في بنوك خارجية ومن بينهم مجتبى أبن المرشد الاعلى وسكينة بنته حيث لكلاهما مبالغ طائلة تثير الكثير من التساٶل.

المساعد الاول لروحاني، عندما يستطرد قائلا: "للأسف أن الفساد وصل إلى بعض المسؤولين الكبار في البلد وعندما كان بالإمكان الوقوف أمام الفساد ولم يفعلوا، تلوث مسؤولون في البلاد". وهذا يعني أن الفساد قد تخطى كل الخطوط وصار بمثابة "مافيا نظام"، وهو ما يمكن إعتباره من الصعب جدا القضاء عليه، بل وحتى إن تهديد تنفيذ الاعدامات ببعض الفاسدين والتي أطلقها خامنئي ليست بقناعتنا إلا لذر الرماد في الاعين، فالفساد صار أكبر وأقوى من المرشد الاعلى، بل إنه وبإختصار شديد النظام كله!

منى سالم الجبوري