لم تكن زيارتي لبروكسل الأسبوع الماضي خلال المؤتمر السنوي لحلف الشمال الأطلسي (الناتو) سوى غيمة من الذهول والحيرة، فهيجان ترامب ضدّ أكثر حلفائنا وثوقا ً وولاءً قد أرسل قشعريرة في جميع أرجاء المدينة، وخصوصا ً في قاعات البرلمان الأوروبي حيث قضيت وقتا ً مهمّا ً أتحدث لمسؤولين من بلدان ٍ مختلفة. وكلهم، وكلّ من تحدثت معهم تقريبا ً من جهات أخرى، كانوا مصدومين لما رأوه وسمعوه من رئيس الولايات المتحدة وهو يقوم بتوبيخ أقرب حلفائنا، وبالأخصّ مستشارة ألمانيا ميركل ورئيسة وزراء بريطانيا ماي. لقد عاملهم وكأنهم شركاء أعمال صغار فشلوا في دفع مستحقاتهم في حين كانوا يجنون الكثير من الفوائد. فغضب ترامب ضدهم كان مروعا ً ويظهر إفتقارا ً كاملا ً للياقة والإحتشام إن لم يكن العداء الصريح.

هؤلاء هم الحلفاء منذ أكثر من سبعين عاما ً الذين وقفوا معنا في السراء والضراء، لم يترددوا أبداً، وأظهروا ولاءً تاماً وقبلوا قيادة أميركا طواعية وكانوا يفتخرون بتحالف يشجع السلام والإستقرار مع الحفاظ على مبادئ الديمقراطية الأساسية.

تسببوا بعزم موحد والتزام لا يتزعزع في انهيار الإتحاد السوفييتي، مما أدى إلى فترة غير مسبوقة من النمو الإقتصادي والإزدهار مع ضمان الأمن القومي لكل دولة عضو وحلفائها خارج أوروبا.

هؤلاء هم الحلفاء الذين كانوا أوائل من استجابوا لهجوم 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن من خلال استحضار المادة الخامسة من إتفاقية حلف شمال الأطلسي (الناتو) ولم يبخلوا عن تقديم أي دعم أو مساعدة لما اعتبروه حليفتهم العزيزة – أميركا – التي وقفت معهم في أوقات احتياجهم طيلة فترة الحرب الباردة وما بعدها.

هؤلاء هم الحلفاء الذين انضموا إلى حملة الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان قبل 17 عاماً واستمروا، حتى كتابة هذه السطور، في الوقوف جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة حتى في حرب لا يمكن الفوز بها واستنزفت، وما زالت، الكثير من الدم والموارد. ويبقى التحالف سريعًا وثابتًا في تصميمه على الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، التي أظهرت بدورها ولاءً لا جدال فيه لتحالفها مع الدول الأوروبية.

هؤلاء هم الحلفاء الذين انضموا إلى الولايات المتحدة في حرب العراق. وبالرغم من الكارثة التي خلفتها الحرب، لم يترددوا أبداً. لقد ضحوا برجال ونساء ومال لجهود الحرب، وحتى يومنا هذا ما زالوا يعانون من عواقب هذه الحرب المضللة – وهي الحرب التي أنجبت داعش وغيرها من الجماعات المتطرفة العنيفة التي أصبحت ترهب أوروبا بينما تصارع موجات من اللاجئين يتدفقون إلى شواطئها.

هؤلاء هم الحلفاء الذين دعموا الولايات المتحدة في جهودها للتعامل مع الحروب والأزمات في الشرق الأوسط وأفريقيا. وبغض النظر عن مدى سوء وتضليل بعض هذه الجهود، سواء في ليبيا أو سوريا أو العراق أو البلقان، فإنها تظل ثابتة في التزامها بالوقوف إلى جانب أميركا.

كرّم وافتخر كل رئيس أميركي من ترومان إلى أوباما بمساهمة أميركا التاريخية في إعادة بناء أوروبا من رماد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أدّى إلى ظهور حلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي.

كان كلّ هذا بمثابة شهادة على عظمة أميركا تسطع كمنارة للديمقراطية وحقوق الإنسان وألهمت عشرات من الدول الأخرى لمحاكاتها. لقد وقفت أميركا وحلفاؤنا الأوروبيون معا لما هو صحيح وأخلاقي، وقدموا تضحيات هائلة للحفاظ على النظام الجديد الذي تم ترميمه.

كان كلّ ذلك حتى أصبح ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. لقد حطّم هذا الرئيس في وقت قصير هذا التحالف الفريد من نوعه والأكثر نجاحا ً وشكك في قيمة حلف شمال الأطلسي وأهان قادته. لقد مزق أوروبا وأخضعها، إلى جانب أميركا، لنزوات أقسى أعداء الغرب، روسيا بوتين.

لقد وصف السناتور ماكين الوضع بإيجاز قائلاً إن ترامب "اختار بوعي الدفاع عن طاغية" وقدم "أحد أكثر العروض خزيا ً بالنسبة لرئيس أميركي". وللتأكيد، لقد خان ترامب كل مبدأ وقيمة تربط الحلف، الأمر الذي يثير سؤالًا خطيرًا حول ما يجب على حلفائنا فعله الآن لإنقاذ التحالف من التدمير الكامل نتيجة لخيانة ترامب.

من الصعب أن نتخيل أنه بينما كان يتقاسم المسرح مع عدو على أرض أجنبية وقف ترامب بشكل علني بجانب بوتين فيما يتعلّق بالنتائج التي توصل إليها فريق الإستخبارات الخاص به حول تدخل روسيا في الإنتخابات في الوقت الذي قلب فيه سياسة الولايات المتحدة الخارجية التي دامت عقودا من الزمن تجاه روسيا، هذا فقط ليخدم مصالحه السياسية الضيقة.

سوف يتم تذكر خيانة ترامب لحلفائنا الأوروبيين كأكثر الفصول ظلمة في تاريخ حلف الناتو، ولن يتم تصحيحه ما دام ترامب في السلطة. لقد أثار قيام ترامب بترهيب أكثر حلفائنا عزة وولاء ً في الأسبوع الماضي في بروكسل في حين أظهر الإحترام غير المشروط للعدو الأبرز للغرب، وهو بوتين، الاشمئزاز والإستغراب، إن لم يكن الخيانة.

ومما لا شك فيه أن جيمس كلابر، المدير السابق للإستخبارات الوطنية، وصف إعتراف ترامب لبوتين بـ "الاستسلام المذهل"، ووصفه رئيس وكالة الإستخبارات المركزية السابق، جون برينان، بأنه "ليس بأقل من الخيانة".

وبسبب هذا السلوك المتقلب، قدم ترامب الآن فرصة تاريخية للاتحاد الأوروبي لإعادة تقييم دوره والتزامه بتحالفه مع الولايات المتحدة. وفي حين يتعين على الاتحاد الأوروبي بذل كل جهد للحفاظ على وحدة التحالف، عليه أن يسعى جاهداً لإنهاء اعتماده النفسي والعاطفي على الولايات المتحدة وترسيخ التحالف مع أميركا على أساس تبادلية الأهداف الاستراتيجية.

هذا يعني أن الإتحاد الأوروبي يجب أن يكون مستعدًا للتصرف من جانب واحد ومستقل عندما تكون مصلحة أمنه القومي الجماعي مهددة، مع أو بدون دعم من الولايات المتحدة. سيكون الإتحاد الأوروبي أكثر احتراما بكثير من قبل الولايات المتحدة ويعامل على أنه كفؤ من خلال افتراض وضع مستقل وهو أمر يجب أن يستمر بغض النظر عمن يحتل البيت الأبيض.

ولتحقيق هذه الغاية، يتعين على الاتحاد الأوروبي تطوير رؤيته الخاصة للوضع الذي يريد أن يكون فيه في غضون 15 إلى 20 سنة، وما هي التدابير التي يجب أن يتخذها للحفاظ على سلامة التحالف الأوروبي. سيبقى الباب مفتوحًا أمام القيادة الأميركية تحت رئيس عاقل ومبدئي يفهم القيم بعيدة المدى للحلف.

ينبغي على الاتحاد الأوروبي في هذه المرة بناء الآلية السياسية والدفاعية بكل ما يعني ذلك لكي يعتمد على نفسه كما صرحت المستشارة الألمانية ميركل مؤخراً، وبالتالي تطوير استراتيجية تقوده إلى تحقيق مثل هذه الرؤية على مراحل. يجب على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدًا لاتخاذ أي إجراء تصحيحي وأن يرتقي إلى أي تحد قد ينشأ.

للأسف، بغض النظر عن المدة التي قد يدوم فيها ترامب، فقد تسبب بالفعل للتحالف الغربي بضرر لا يمكن تقديره. والحقيقة هي أن هناك دائرة انتخابية تدعم بشكل أعمى مثل هذا الزعيم المضلل والتي ستتجاوزه دون شك وستستمر في التأثير على السياسة الخارجية والداخلية الأميركية.

وعلى هذا النحو، لا يمكن للاتحاد الأوروبي استبعاد السياسات الأميركية المحتملة المنحرفة لصالح "أميركا أولاً" التي سيستمر الجمهوريون في احتضانها إذا أرادوا البقاء في السلطة. ولمواجهة ذلك، يحتاج الاتحاد الأوروبي، لأسباب واضحة، إلى الالتزام الكامل بأي اتفاقيات ومعاهدات متفق عليها، في تحدٍ لترامب. وتقدم اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ والصفقة الإيرانية أمثلة جيدة.

وبصورة مستقلة عن الولايات المتحدة، يتعين على الاتحاد الأوروبي تعزيز قدرته العسكرية واكتساب قوة ردع موثوق بها ضد روسيا. وعلى هذا النحو، يجب أن يظل الاتحاد الأوروبي أقوى قوة عسكرية في أوروبا في إطار حلف شمال الأطلسي وأن يخصص كل التمويل اللازم لهذا الغرض.

وفي هذا الصدد، ينبغي على الاتحاد الأوروبي إعادة تقييم موثوقية تركيا ومصداقيتها كعضو في الحلف، ويجب ألا يستبعد طرد تركيا طالما أن أنقرة تتحدى ميثاق الناتو بسبب انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان ومغازلتها لأبرز عدو أوروبا – روسيا.

ويجب على الاتحاد الأوروبي أيضًا أن يوطد مؤسساته عن طريق إصلاح دستوره، لاسيما عملية صنع القرار من أجل تنفيذ سياسات أكثر فعالية في الوقت المناسب. وهذا أمر مهم للغاية، خاصة وأنه يواجه الاضطرابات المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والخلافات السياسية الداخلية. علاوة على ذلك، يجب عليه تطوير هيكل مالي دائم يعالج احتياجات الدول الأعضاء التي تعاني من صعوبات مالية مثل اليونان.

ينبغي على الإتحاد الأوروبي تجميد المزيد من التوسع في دوله الأعضاء حتى يحين الوقت الذي يحقق فيه الكثير من الإصلاحات. في هذه الأثناء، يجب على الاتحاد الأوروبي تطوير وتنمية العلاقات مع جميع المرشحين المحتملين للعضوية، خاصة دول البلقان لإخماد طموحات أردوغان في تركيا من جذب هذه الدول إلى مداره الإسلامي.

وينبغي على الإتحاد الأوروبي أيضًا التركيز على حل النزاعات، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، التي لها تأثير مباشر وغير مباشر على أوروبا. لدى الاتحاد الأوروبي مصالح استراتيجية وأمنية مباشرة للعب دور نشط في البحث عن حل للصراعات في ليبيا (وهو نتيجة ثانوية للدور الأوروبي في الإطاحة بالقذافي) واليمن وينبغي بالتأكيد أن يبذل جهودًا متواصلة لإيجاد حل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني مهما بدا ذلك صعب المنال.

وينبغي على الاتحاد الأوروبي أيضا ً أن يغير طبيعة العلاقة مع إفريقيا، ليس فقط من مانح إلى متلقي، بل يلعب دوراً مباشراً في نمو البلدان الأفريقية المتخلفة – ليس فقط بسبب التزام أخلاقي ناجم عن الحقبة الإستعمارية، بل لأن هذه الجهود تخدم المصالح الأمنية للاتحاد الأوروبي.

ينبغي تخصيص جزء كبير من مساهمة الإتحاد الأوروبي المالية الشاملة للاتحاد الأفريقي (أكثر من 3 مليارات دولار منذ عام 2004) لمشاريع التنمية المستدامة لتوفير فرص العمل وتمكين المجتمعات المحلية. هذه هي الطريقة الأكثر فعالية لمعالجة الأسباب الجذرية للتطرف العنيف والهجرة التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي بشكل كبير.

لقد أصبح ترامب دمية من بين الدمى التي يتلاعب بها المعلّم بوتين. لم يعد يمكن الوثوق به لخدمة مصالح أميركا أو حلفائنا. ومن المؤكد أن ترامب سيواجه حكم الناخبين الأميركيين، وعلى أمل أن يكون ذلك عاجلاً وليس آجلا ً، وسيُعاد التحالف الذي لا غنى عنه تاريخياً مع شركائنا الأوروبيين.

د. ألون بن مئير