بشرى لنا جميعاً، وهنيئاً لنا بتقدم الذكاء الاصطناعي (AI) الذي اخترعه غيرنا من البشر وسننعمُ نحن بحسناته، كما نعمنا قبله بفتوحات الإنترنيت وغيره من وسائل الاتصال الجديدة!.

قبل ذلك، استخدمنا "الكهربة" في صرف "رجال" الدار عن تدبير لقمة العيش بالجلوس في مقهى "الدوار" إلى ساعاتٍ متأخرة من الليل، وفي إلهاء "نساء" الدار عن أشغالهن كربات أسر بمشاهدة مسلسلات مدبلجة (بالدارجة من فضلكم، واسألوا السيد سليم الشيخ عن السبب فهو أدرى!) وبرامج فرجة المآسي التي يمن علينا بها إعلامنا الرسمي (ولا أقول العمومي) كثر الله "خيره وخميره"!.

بعد الكهربة جاء عصر الدردشة، وحققنا انتصارات كبرى في العيش الافتراضي ومآرب أخرى. وها نحن نرى كيف أن معرفة الاستهلاك تتطور عندنا بشكل متسارع، إذ يكفي أن ترى كيف يتعامل الصغار مع الهواتف واللوحات "الذكية" لتكتشف كم نحن متقدمون! أما معرفة الإنتاج فهي بين أيدي منتجي كل هذا "الذكاء"، سواء في الشرق أو الغرب.

لكن حتى عندما يطرحون منتجا جديدا في السوق قد لا تخطر ببالهم استعمالاتنا "المبتكرة" له، أو استخدامات من هم في مصافنا من حيث التطور التكنولوجي والعقلي. فمن اخترع "الدرون" ربما لم يتصور أنه سيستخدَم في عرض للأزياء في المملكة العربية السعودية.

صارت تلك الآلات الصغيرة عارضات أزياء تتحرك برشاقة في الجو "لابساتٍ" عباءات وفساتين أنيقة (حسب مقاييس ذلك البلد)، لا تنقصها سوى الأحذية ذات الكعب العالي لتطقطق على منصة العرض ويكتمل فيلم الأشباح الطائرة عارضة الأزياء.

ولماذا كل هذا؟ ربما "حماية" لجسد أنثوي يعتبر "عورة" في تلك البقاع وفي مناطق أخرى من العالم، والأدهى داخل عقول يعشعش فيها الكبت والتخلف والنفاق حتى عندنا. وحتى لا نظلم أهل تلك المملكة السعيدة كذلك، ربما كان العرض مساهمة من الفكر الوهابي في تطور العلم وازدهار الفنون والاقتصاد!.

استخدام جديد قد يدفع بمنتجي "الذكاء الاصطناعي" الآسيويين والأمريكان والأوروبيين إلى التفكير في "بيعة وشرية" من العيار الثقيل، وفي غزو أسواق واسعة كماًّ وكيفاً بتقديم حلول ذكية لإشكالية تاريخية تتجسد في جسد المرأة.

طبعاً، يمكنهم التفكير في "نساء آليات" يعوضن النساء الحقيقيات في فضاء العمل، حتى "يقر الزوجات الصالحات والبنات المصونات في بيوتهن"، كما يمكنهم عرض "جاريات آلية" مستوحاة من التاريخ في الأسواق العربية، لتعويض تلك الزوجات في أشغال البيت وفي الفراش، مع تلقينهن فنون الرقص والغناء وقصائد شعر مستلهمة من السهرات العباسية وليالي الأندلس الملاح وألف ليلة وليلة!.

وقد يتفاجأ منتجو تلك التكنولوجيا بالإقبال على هاته "الآليات"، خصوصاً من طرف النساء أنفسهن؛ لكن ليس الأمر بغريب، لأن عقلية العبودية هي التي تجعل النساء من يتحكمن في النساء ويعدن إنتاج ما يسمى "عقلية ذكورية".

لا أدري لماذا تعود بي الذاكرة إلى الوراء، وأتذكر أن والدي رحمة الله عليه عندما قدم لي نسختي من كتابه "إدماج المرأة في التنمية في محك السياسة الشرعية"، قلت له: كان عليك أن تصدر كتاباً عن حقوق النساء الآليات!.

 

زكية حادوش