تشهد المنطقة نشاطا غير مسبوق فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ويبدو أن الولايات المتحدة تريد تنفيذ ما سمي بصفقة القرن التي لا يعرف أحد على وجه التحديد ما هي بنودها، وكل ما يلتقطه المتابعون هو مجرد حديث هنا وحوار هناك. فالبعض يقول أن الصفقة هي توطين الفلسطينيين في سيناء، والبعض يقول أنها تنص على اجتزاء القدس ومنح الضفة الغربية للفلسطينيين على أن تكون العاصمة مدينة أخرى كمدينة أبو ديس. ولكن اللافت في الأمر هو المزايا غير العادية التي سيحصل عليها الفلسطينيون والعرب جميعا. فهم يتحدثون عن مبالغ تصل إلى 1000 مليار دولار لتنفيذ الصفقة، بالإضافة إلى فقدان ايران إلى العذر الذي تردده دائما وهو تحرير فلسطين.

من الواضح جدا أن صفقة القرن فخ جديد يشبه اتفاقية سايكس-بيكو، وعلى الأرجح أن ترامب سيهدد العرب الذين يرفضون الصفقة، وربما يوافقون بالفعل، ويبقى الشعب الفلسطيني وحده في الميدان يقاوم الترحيل وربما تلجأ إسرائيل إلى تجويع الفلسطينيين بحيث يرغمون على قبول الصفقة. ولكن ما هي الضمانات التي يقدمها ترامب مقابل الموافقة على تصفية القضية الفلسطينية؟ لا يوجد ما يضمن توفير هذه المبالغ فعلا، وربما يتم تسديدها من دول الخليج وهذا يعني تدهور اقتصادها، لأن بناء دولة في سيناء يتطلب مبالغ هائلة جدا ومن المستحيل أن تتحملها بضعة دول دون أن تورط نفسها في خسائر دائمة تضعفها وعندئذ ستكون الدول المجاورة لإيران لقمة سائغة ويصبح الوضع كالمستجير من الرمضاء بالنار.

إذا كان هدف الصفقة هو التصدي لإيران، فهذا سابع المستحيلات، فإيران اليوم تراقب بصمت وتدعو الله أن تقبل الدول العربية بالصفقة وأن يقنعوا الفلسطينيين بالموافقة، وهنا ستجد ايران بدل العذر أعذارا وبدل الذريعة ذرائع. فالقدس محتلة وتحت الاحتلال الإسرائيلي، وهي ترفع شعار تحرير القدس، وستتمكن من كسب الحلفاء والتدخل السافر في شؤون دول الجوار. كما أن ايران ليست بحاجة لذريعة أصلا، وهي تتدخل بحكم دستورها الذي ينص في ديباجته الأولى على ضرورة تصدير الثورة وتحرير الشعوب، وهي تطمح لقيادة العالم الإسلامي ولن تلزم حدودها.

إذا افترضنا أن إسرائيل سوف تتصدى لإيران بالفعل، فسوف يرفع هذا الأمر من شأن إيران في العالم الإسلامي، وربما يستفز هذا حلفاء ايران الصامتين في الدول العربية وينزلق الجميع في حرب طائفية بشعة. ولا يخفى على أحد أن المعارك التي احتدمت في سوريا واليمن كانت بسبب اختراق ايران للداخل العربي. وإذا حدثت المواجهة بين إيران وإسرائيل، فسوف يظهر لها حلفاء كثيرون في الداخل العربي وسوف ينشرون الدمار في كل مكان نظرا لأنها تقاتل اليهود وليس العرب المسلمين وهذا سوف يحرك حلفاءها من منطلق ديني ضد اسرائيل وضد من شجعها على مواجهة ايران. وبهذه الحالة، يكون العرب قد خسروا فلسطين وخسروا أموالهم ولا طالوا عنب الشام ولا بلح اليمن. وهذه ليست المرة الأولى، إذ أن جميع الدول العربية التي أبرمت معاهدة سلام مع إسرائيل لم تستفد شيئا، بل لقد تدهور اقتصادها وساءت احوالها.

إذا لم يتريث العرب، فربما يقعون في الغدر مرة أخرى، وعلى الرغم من خطر ايران، إلا أنه يمكن التصدي لها في كل منطقة تذهب إليها، وربما يكون هذا أخف وطأة من جعلها بطلة تحارب اليهود بدعم من حلفائها المنتشرين في المنطقة من العرب وغير العرب.

سهى الجندي