لقد سبق أن انتقد محمد عابد الجابري تقليد الفكر في ثنائية العبد والسيد من لدن من استعمرنا، إلا أنني هنا سأنقد في هذه المقالة ما يسمى بـ"الحداثة البعدية" من وجهة نظر الفكر المسيحي المعاصر، فمن الطروحات النظرية النقدية التي طورها رواد الفكر الحداثي البعدي (وعلى الخصوص جون فرانسوا ليوطار) والتي ما فتئ يرددها مقلدوهم من أرباع المثقفين، أطروحة "السَرديات الكبرى"..

ومقتضى هذه الأطروحة أن الأيديولوجيات التاريخية من ماركسية وفاشية وغيرها تتأسس على فهم تشميلي للتاريخ والعالم، إذ يبنى التاريخ والعالم بشكل يبرر هذه الإيديولوجيات ويحاول إخفاء تناقضاتها واختلالاتها وأوهامها، ويضفي شرعية على رهاناتها التدميرية؛ فالماركسية والفاشية كلاهما مبنيتان على تصور تصاعدي للتاريخ تُضفي فيه هالة البطولة والنقاء المثالي على البروليتاريا أو الجنس الآري بشكل يخفي سقوطية هذه الطبقة وهذه الفئة، ويضفي عليها طابع التجانس والانسجام الداخلي، لذلك تقترح "الحداثة البعدية" منهجا نقديا يسميه أصحابه بـ"التفكيك" الذي نظر له جاك دريدا في مؤلفاته الفلسفية، فالتفكيك يعمل على ضرب البناء الداخلي لـ"السرديات الكبرى" وما تنتجه من نصوص وتصورات ومفاهيم تفضح بروتوكولاتها المنطقية الواهمة وتكشف عما تستر عنه من تناقضات واختلالات داخلية.

لذلك تجد بعض مقلدي الحداثة البعدية من المثقفين المُستلبين للإيديولوجيا عندنا يلوكون الأدوات النقدية نفسها في تعاملهم مع الفكر المسيحي المعاصر دون أن يكلفوا أنفسهم عناء فحص أدواتهم بما يتطلبه الفحص العقلاني من التدقيق في تقييم الدعاوى والمفاهيم.

وللتوضيح سأقدم مثالاً عن الأطاريح المغلوطة التي يروج لها خصوم الإنماء المسيحي العقدي لأبين أشكال الخلل التي ينجر إليه هؤلاء الخصوم بشيء غير قليل من الغباء الراضي عن نفسه؛ فالمجتمعات الإسلامية تعيش صدمة الحداثة، لذلك تدعي أن لها فلسفتها الإسلامية، ولكن الجديد في هذه الفلسفة يجب البحث عنه في الوظيفة الإيديولوجية حسب الجابري (محمد عابد الجابري، نحن والتراث.. قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، الطبعة السادسة/ المركز الثقافي العربي / 1993 الدار البيضاء، ص 35).

يدعي خصوم المسيحية من مقلدي الحداثة البعدية أن الفكر المسيحي مرتبط بأوهام تشميلية مبنية على "سرديات كبرى" قابلة للخلخلة والتفكيك مثل أي "سرديات" أخرى؛ فتاريخ المسيحية بالمغرب والحركة الدوناتية مجرد مرويات لا مواضيع لها سوى ما تراهن عليه منظمات التبشير العالمية من تأسيس لأقليات دينية مسيحية اليوم والمطالبة باستقلالها غدا فيما بعد عن المجتمع المغربي (في حوار مع محمد البلاجي، عضو حركة التوحيد والإصلاح المغربية، في معرض رده على حواري بقناة الجزيرة، قال: "إن الدعوة المسيحية دعوة سياسية وليست دينية، فالمؤسسات التبشيرية تحاول أن تخلق أقليات تطالب فيما بعد باستقلالها وخلق الطائفية بالمغرب.." (الحصاد المغاربي/ تاريخ 23 دجنبر 2008).

ينبني هذا النقد الإيديولوجي المُقنع بتقليد الحداثة البعدية على مغالطات وهي:

أولاً: يُغفل هذا النقد أن الفكر المسيحي فكر نقدي مبني على نقد الهيمنة التي عانى منها في القرون الوسطى من لدن المُلوك والنظام الإقطاعي الأوروبي، ومن نتائج هذا الاختيار النقدي أن معظم المفكرين المسيحيين المعاصرين ميَالون أكثر من غيرهم إلى ممارسة النقد بشكل يجعلهم مصدر "إزعاج حقيقي" لكل من يراهن على "تبليد الذهن" منهجا لتكريس تناقضات الهيمنة الإيديولوجية والثقافية.

ثانياً: إن هذا النقد يغفل أن الفكر المسيحي مبني على أسس أخلاقية، مثل الحق في ممارسة الحرية الإنسانية، مما يتنكر له الحداثيون البعديون، فمن آفات الفكر الحداثي البعدي أنه يؤسس لأخلاق تقيم بها الأداء السلوكي للأفراد والجماعات ونؤول بها علاقتنا بالأغيار، فنيتش nietsche وسارتر sartreمن بعده الذي يتغنى الحداثيون البعديون بأناشيده لم يؤسس لأخلاق عملية غير ما كان يكرره من كلام غير مفهوم تماما عن "الأصالة" - فما موقف البعديين ومقلديهم من قيم الأسرة؟ ومن المثلية الجنسية؟ ومن البورنوغرافية؟ ومن الإجهاض؟

ثالثا: إن هذا النقد يغفل أن الحداثة البعدية لم تتناول مسألة الهوية المسيحية سوى على مستوى ما ينتج من خطابات حول "الهوية"، فمعظم المثقفين المُؤدلجين يعانون من جهل خطير بكل ما ينتجه العلم الحديث والرياضيات الحديثة من تراكمات، فلا يهمهم ما كشفته الحفريات من تاريخ شمال إفريقيا المسيحي ولا ما كشفه البحث الدقيق عن الدوانتيون القدماء، وكيف يهتم البعديون بهذه الأمور أصلاً وهم منشغلون عنها بثرثراتهم اليومية في المقاهي والبارات التي تعج مدننا.

رابعاً: من المغالطات التي أنتجها المثقفون البعديون، والمنتسبون إلى ما يسمونها بـ"الحداثة" تلك الأكذوبة التي سموها بـ"النسبية الأخلاقية"، النسبية الأخلاقية هي الإيديولوجية التي يدعي أصحابها بأن القيم الأخلاقية "نسبية" تتغير بالزمان والمكان وتبدل أحوال الإنسان، إن "النسبية الأخلاقية" ليست مجرد نظرية كاذبة، بل فارغة أيضاً.

إن الفكر المسيحي المعاصر ينبني على مشروعيات وكفايات لا تستوفيها الحداثة البعدية ولا تحيط بكل أبعادها؛ فالمسيحية ليست "سردية كبرى" تسعى إلى تزييف منهجي للتاريخ والجغرافيا كما فعلت الإيديولوجيا الإسلامية، أو إلى طبخ بطوليات عنصرية كارطونية كما فعلت النازية والفاشية، أو استلهام نقاء نضالي بروليتاري كما فعلت الماركسية التقليدية.. بل دعوة حق إلى رد مسلوب هوياتي مؤسس على تاريخ حق، وهذا هو البعد النقدي الأخلاقي الذي يجعل الفكر المسيحي متميزا عن كل الترهات الفكرانية التي جاد بها الضمير التعيس لحضارة الغرب، والتي قلدها بؤساء التقليد الإيديولوجي غير المبدع عندنا.

خاتمة

إن إشكالات الهوية المسيحية والحداثة ومضامينها لا يمكن أن تناقش بشكل فعال إلا على ضوء النقد العقلاني المدقق في مفاهيم الهوية ومتعلقاتها التاريخية واللسانية والفلسفية.

محمد سعيد

*عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية.