تعدّ دولة إندونيسيا أكبر الدول التي تجمع على أراضيها أكبر عدد مسلمين، لم تسلم من وجود الفكر المتشدد بين صفوف أبنائها، لأسباب متعددة قد خاض فيها البعض من كون المسلمين فئة مستضعفة، ومضطهدة، ويمارس ضدها كل أنواع التعذيب في شتى بقاع الأرض، مما نتج عنه انفجار الطاقات الكامنة داخل كثير من أبنائها سواء بدافع الانتقام أو التخلص من الإرث الموروث في المظلومية، أو التنفيس عما بداخل النفس من شعور مكبوت من الظلم، أو تنفيذا لأجندة خارجية أو داخلية هدفها زعزعت استقرار الدول الإسلامية، وإشغالها عن القضايا الكبرى التي تمر بها الأمة في معظم البلاد لصالح الدول القوية.

والعجيب هو أن كثيرا من الأنظمة الحاكمة للدول الإسلامية تعمل على غرس مشاعر الحقد والكره في نفوس هؤلاء الشباب الذي يتعرض دائما للتضييق أو التعذيب أو القتل؛ وهو ما يدفعهم إلى الارتماء في أحضان الجماعات المتشددة في الوقت الذي يزج فيه بأنصار الحركات الوسطية خلف القضبان في مشهد متعمد لإثارة القلاقل من أجل ضمان استقرار الحكم.

فالتفجيرات الثلاثة بمدينة سورابايا (في جاوا الشرقية)، التي استفاقت عليها إندونيسيا اليوم بكثير من الغضب والقلق، تعيد إلى الأذهان سلسلة من الهجمات الانتحارية خلال العقد الماضي، وتبعث رسالة قوية إلى السلطات الإندونيسية بأن الجماعات المسلحة "الجهادية" لا تزال قوية وقادرة على الضرب بعد سنوات طويلة من إقرار قانون مكافحة الإرهاب، وتسخير إمكانات ضخمة قانونية وعسكرية وأمنية لهذا الغرض.

لقد عانت إندونيسيا، التي توجد بها أكبر نسبة من السكان المسلمين في العالم، من وطأة إرهاب داعش في المنطقة، بما في ذلك عملية التفجير التي نفذت في 14 يناير 2016 في الحي التجاري بجاكرتا. ومن بين الدول العشر الأعضاء في رابطة جنوب شرقي آسيا سجلت إندونيسيا أكبر عدد من المتطرفين الذين انضموا إلى داعش، وفقا لرئيس الشرطة الوطنية بدرالدين هايتي.

جماعة أنصار الدولة

جماعة "أنصار الدولة" هي تنظيم يضم عدداً من الجماعات تشكل العام 2015 من طريق تحالف جماعات عدة منشقة، يرأسها أمان عبد الرحمن من داخل السجن، حيث تعتبر جاوة مركزا رئيسيا لهذه الجماعة.

واعتاد عبد الرحمن أن ينشر أفكاره المتشددة، التي تبرر العنف في اعتبار الآخرين من الكفار، من خلال الخطب والمحاضرات.

وبالرغم من أن عبد الرحمن يقبع وراء القضبان فقد تمكن من إعلان ولائه عبر الإنترنيت لتنظيم داعش عام 2014.

أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية جماعة "أنصار الدولة" على لائحة الإرهاب في يناير 2017 بتهمة تنفيذ اعتداءات انتحارية وهجمات مسلحة في 14 يناير 2016 في جاكرتا أودت بحياة أربعة مدنيين وأربعة مهاجمين.

ويرتبط اسم جماعة “أنصار الدولة” بسلسلة من الهجمات الأخرى في إندونيسيا؛ بينها هجوم على كنيسة في نوفمبر 2016 أدى إلى مقتل طفل في جزيرة بورنيو، إضافة إلى مخطط لتنفيذ تفجير انتحاري قرب العاصمة في فترة أعياد الميلاد تمكنت السلطات من إحباطه، وفق ما جاء في موقع السكينة السعودي تحت عنوان جماعة أنصار الدولة ” في إندونيسيا.

ويشير صهيب جاسم، مراسل الجزيرة في إندونيسيا، إلى أن أنصار الدولة هم توليفة من 21 خلية تحمل "الفكر الجهادي".

وحول الفرق بين الجماعة الإسلامية وأنصار الدولة يعتقد حبيب بأن الجماعتين تجمعهما الكثير من الأفكار والقناعات؛ لكنهما يختلفان حول طبيعة الأهداف التي يجب أن يهاجموها؛ ففي حين ترى الجماعة الإسلامية أنها يجب أن تحصر هجماتها ضد غير المسلمين والمسؤولين الأجانب، لأن الاعتداء على المسلمين لا يجوز شرعا، يرى أنصار الدولة أن المسؤولين الحكوميين أهداف مشروعة، خاصة رجال الشرطة.

واعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية أن «جماعة أنصار الدولة» هي «مجموعة إرهابية مقرها اندونيسيا تشكلت العام 2015 وتتكون من حوالي عشرين جماعة اندونيسية إرهابية» تابعة لـ«داعش».

وتتبنى الدولة الإسلامية إستراتيجية "البقاء والتوسع"، فهي تريد الحفاظ على مكتسباتها في سوريا والعراق مع التوسع إقليميا ودوليا، وتبنى إستراتيجيتها عبر ثلاث مناطق جغرافية هي بلاد الشام، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنطقة الخارج البعيد والتي تضم أوروبا وآسيا، وفقا للبيان الذي نشرته مجلة دابق في عدد نوفمبر 2015.

ومن ثمّ، اختارت الدولة الإسلامية إندونيسيا، أكبر الدول الإسلامية من حيث السكان، عاصمة لخلافتها المزعومة والتي دعت إليها في عام أواخر 2015 تحت مسمى الخلافة البعيدة.

ويأتي اختيار إندونيسيا لتكون مقرا للخلافة للإرث الجهادي للجماعات الإسلامية في إندونيسيا وتاريخها السياسي، وربما لموقعها الجغرافي الذي يضم عددا من الدول الأخرى التي يسعى التنظيم إلى التمدد فيها؛ ومنها الفلبين وماليزيا واستراليا، وهو ما يجعل التقارب بينها وبين عناصر الجماعات الإسلامية في إندونيسيا كبير جدا.

وترجع بدايات ظهور الحركات الإسلامية في إندونيسيا إلى عهد الاحتلال الهولندي للبلاد، فقد ظهرت أول حركة إسلامية كرد فعل للاحتلال عام 1803 وسميت بحركة pardi في غرب سومطرة، وبالرغم من ذلك يرجع بعض المحللين إلى أن النشأة الحقيقية للحركة الإسلامية بالمفهوم الحركي التنظيمي مرتبطة بتأسيس جماعة "دار الإسلام" والتي ظهرت عقب الاستقلال في 1945م.

ولذا، فالتفجيرات التي حدثت هي امتداد للذئاب المتفردة التي تعمل داعش على تكوينها في كل دولة، لتخفيف الضغط عن التنظيم الأم في سوريا والعراق.

عبده مصطفى دسوقي

*كاتب من مصر