ليسمح لي السيد رئيس الحكومة إذا ما إما عبرت له عن شديد خوفي على مصير الإصلاح الذي تعتزم الحكومة الجديدة تنزيله وفق ما تتطلبه المرحلة الراهنة من تاريخ البلاد مع مقتضى الدستور الجديد..مصدر هذه التخوفات ليست بالضرورة لها ارتباط بالظرفية الاقتصادية العالمية ودخول الشريك الرئيس _ الإتحاد الأوربي _ في مرحلة "كمون "صعبة لم يشهد لها مثل من قبل . الخوف هذه المرة منبعه تأجيل النظر في إجراء "ثورة"بدواليب الإدارة ،الأداة الفعلية ;واليد المنفذة أي برنامج مزمع تنزيله أجرأته على ارض الواقع .فكيف سيستقيم الأمر لحكومة عبد الإله بن كيران الرامية إلى ترشيد النفقات وتحصيل الواردات وتجويد الميزانيات بأجهزة إدارية ،لا أقول عنها عتيقة محسوبة على العهد القديم،عهد البصري ومن جاء من بعده الهمة، وما أدراك ما الهمة وحزبه البام فحسب، ولكنها أجهزة إدارية متصلبة متحكمة كانت تنشد النهب ومصادرة الحقوق و النيل من الكرامة الآدمية للمواطن المغربي؟ .

 

دوافع خوفي عديدة وسأجملها في نقط رئيسة يمكن تلخيصها في المثل العربي البليغ:ما حك جلدك مثل ظفرك"، مما يستلزم في نظرنا البسيط التعجيل بالثورة الإدارية التي ستعمل على القطع النهائي مع الريع الإداري الموروث قبل أيام تمت تلاوة قانون الماليةلعام2012 على أنظار ممثلي الأمة بالبرلمان ..قانون يأتي في ظرفية خاصة كما هو معلوم ليس بسبب تأخر التساقطات المطرية الحيوية للقطاع الفلاحي فحسب ولكن بسبب ما يتنبأ به الخبراء من حدوث صعوبات إضافية متعلقة بالشق الاجتماعي و المتمثل في حركة الاحتجاجات المستمرة في شوارع المملكة ومؤسساتها المتعددة ،والتي لا يبدو أنها ستخبو في القريب العاجل. وتنضاف لهذه الصعوبة جميعها أزمة الجفاف المفاجئة التي ألمت بالفلاحة هذه السنة و التي حتما ستنعكس تأثيراتها السلبية على التوازنات المالية هذه الظرفية المناخية الصعبة يزيد من استفحالها وشدة وطأتها على الاقتصاد المغربي مرور شريكنا الأساسي كما أسلفنا_الاتحاد الأوروبي _ بمرحلة صعبة لم يشهد مثلها من قبل منذ الحربين العالميتين وما بينهما ،أي منذ أزمة 1929 الخانقة . وهذه كلها إكراهات لم تكن لتزيد الحكومة إلا عبئا على عبء. ولكن "عسى أن تكرهوا شيئا فهو خير لكم" .لعل القدر يخفي ما هو خير لهذه البلاد.فلعله ابتلاء من الله، يريد به امتحان حكومة عبد الإله ومن معه في كيفية تدبير الأزمة في وضعية صعبة، وحتى إذا ما اشتدت حلقاتها انفرجت وظنوا أنها لن تفرج .

 

التفاؤل في القدر من شيم المؤمن الواثق بربه، المطمئن للقضاء والقدر خيره وشره .ولذلك فأمره عجيب كما أخبرنا نبينا الصادق : عجيب أمر المؤمن :إذا مسه الخير شكر ،وإذا مسه الشر صبر. ..لكن ما لا يدفع للتفاؤل سيدي الرئيس،هو ارتهان حكومتكم إلى تفعيل البرنامج المصادق عليه في البرلمان في جلسته الدستورية الأخيرة، لهياكل إدارية محسوبة على العهد "البامي" .هنا سأخالف كل من سيحاول تسويق فكرة إمكانية صلاحية أو استصلاح ما كان فاسدا "بالقوة "والفعل"،محسوبا على العهد "البامي" التي،قد يقول قائل أن بالإمكان تحولها بشكل حربائي مع العهد الجديد لضمان استمرار "صلاحيتها ".والأصل أن ما كان أساسه فاسدا وما بني على باطل فوه فاسد وباطل بالضرورة . ولكم في الحادث الذي تناقلته الجرائد وقنوات الأخبار والمواقع الإلكترونية المعنية بالشأن السياسي والإعلامي مؤخرا عن خبر عزل عامل إقليم سيدي، بنور الذي وصف وزير الدولة في الحكومة بأوصاف يستقبحها كل من هو ذو نفس عفيفة مخلقة بأخلاق الكرام،لكم فيه خير دليل على صحة ما نذهب إليه.إنهم ،أي هؤلاء العمال والولاة المعينون في ظرفية خاصة ، حين كان "حزب البام المدعوم من قبل شخصيات نافذة ، يصول ويجول في البلاد معتبرا إياها إقطاعية يديرها على هواه،معتقدا انفراده به ،يعينون من الولاة والعمال من يشاءون ،يعتبرون أنفسهم فوق القانون ماداموا يستظلون بمظلة عبد العالي الهمة وبرعاية من القصر. يقولون في تحد صارخ و في زعم كاذب أنهم يخدمون مشروع الملك .، فلا أحد إذن يستطيع مساءلتهم ومحاسبتهم تحت طائلة أي قانون..هذا الحادث أكد بما لا يدع مجالا للشك في مسيس الحاجة ،الآن وقبل أي وقت مضى إلى القيام "بثورة" في دواليب الإدارة وتصفية تركة صنيعة إدريس البصري ومن جاء بعده يحذو حذوه. فالقطع مع العهد القديم ضرورة دستورية و أخرى ديمقراطية، تتطلبها المرحلة الراهنة لأسباب نجملها في النقط الرئيسة التالية:

 

الدوافع الدستورية: الإصلاح الإداري المنشود يعني التحاكم الجيد بين المواطن وإداراته فوق التراب الوطني ، لجهة عليا منصفة وفق قواعد قانونية سليمة وواضحة حين التقابل والتناقض في القرارات والأحكام. هذا الأمر يستوجب تسهيل المساطر في الوثائق الأكثر تداولا بين المواطنين وتخفيف العبء عنهم بالقصد نحو شباك موحد، بضم إدارات مختلفة تنتج في النهاية قرارا ملزما للمواطن ،لكن في غير تمركز إداري .بالعكس ينبغي تعميم هذه الإدارات المتمركزة في ربوع التراب الوطني حتى يتم تجاوز معضلة مركزية الإدارة في العاصمة الإدارية.وهذا جوهر الجهوية المتقدمة التي ينبغي على الدولة تسريع وتيرة تنزيلها وفق الدستور الجديد الإصلاح الإداري يعني أيضا حق المواطن في المعلومة والوصول إليها من غير عناء تفعيلا لمبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات وفق مقتضى الفصل 157 من الدستور،الذي ينص صراحة على أن المرافق العمومية "تخضع..لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية..في تسييرها " عملا بالمبادئ الديمقراطية والتحكيم الجيد بين الإدارة والمواطن.

 

والقول بضرورة الثورة في دواليب الإدارة في هذه الظرفية كما أسلفنا يعني القطع مع أعوان محسوبين على العهد البصري البغيض استعدادا لما هو آت لا يستطيعون بالضرورة مسايرة ما هو منتظر من تفعيل لأخلاق التشاور في صناعة الأحداث وعظيم الأمور المتعلقة بالسياسة التشاركية ضمن ما هو مسطر في الجهوية المتقدمة، التي ينص الدستور على تبعية رجال الإدارة ، من عمال و ولاة،للرئيس المنتخب ديمقراطيا .وكلنا نعرف المعاناة التي عانى منها الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي إبان رغبته في عقد لقاء مع العمال والولاة في زمن إدريس البصري قصد التباحث قضايا تهم التراب الوطني وتقريب الإدارة الديمقراطية من المواطن، إذ اعتبروا أنفسهم أن لا وصاية لأحد عليهم إلا من الملك و رئيسهم المباشر وزير الدولة في الداخلية. هذه العقلية المتكلسة هي ما يدفعنا إلى القول بضرورة التعجيل بإعفائهم جميعا وإحالة من كان له يد في التسيب الإداري والشطط في استعمال السلطة والنفوذ لأنه حق دستوري بكل المقاييس.فليس من هؤلاء من سيقبل المحاسبة من قبل المجتمع المدني ،الذي سيغدو ولا شك قويا في متابعته لمختلف الإجراءات التنفيذية للهياكل الإدارية بالارتكاز على المؤسسات والهيآت الدستورية الحامية للحقوق والحريات والتحكيم الجيد في مجال التنمية البشرية،كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان وكذا جمعيات مدنية لها الحق في الولوج إلى المعلومة كيفما كان نوعها. ومن هذه المؤسسات الدستورية الهامة "الوسيط" التي هي(مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة ،مهمتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين والإسهام في سيادة القانون،وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف ،وقيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية)الفصل 162من الدستور.

 

الدوافع الديمقراطية: لعل من حسنات الربيع الديمقراطي بالمغرب الأقصى أن الشباب الذي صنع الثورة الهادئة، شباب 20 فبراير الأحرار لم تخب جذوة مطالبتهم بمزيد من تصحيح الأوضاع ومحاربة الفساد.وتجد هذه المطالبة دعما قويا من وزراء في الحكومة الحالية وأعضاء في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية و القوى الديمقراطية الحية،بل ومن رئيس الحكومة نفسه الذي ما انفك يجدد عزمه الأكيد في تنزيل الدستور ومحاربة كافة أشكال الريع، سواء أكان سياسيا أو اقتصاديا. المد الشبابي الواعي هذا لا بد أن يجد إدارة في مستوى الطموح الذي يرنو إليه ويتطلع لتحقيقه ،خاصة ونحن على مرمى حجر من أوروبا الغربية ،النموذج الأمثل في الإدارة الجيدة والديمقراطية الحية. ولعل البرنامج الحكومي في بنده المتعلق بإصلاح الإدارة فطن إلى الفجوة القائمة بين المواطن وإدارته المتغولة لدرجة أصبحت عائقا في وجه التنمية البشرية المنشودة، وكذا الراغبين في مناخ صحي للاستثمار. لذلك هدف البرنامج إلى إصلاح المنظومة الإدارية قصد الارتقاء بالمرفق العمومي إلى مستوى النجاعة والفعالية والمر دودية المطلوبة وفق ما تتطلبه المرحلة ومطامح شباب الربيع الديمقراطي.

 

دوافع ديمقراطية عديدة تطالبنا بضرورة القيام بثورة في دواليب الإدارة والقطع مع العهد البائد. ولعل من الأمثلة الصارخة على فساد الإدارة وانتهاء مدة صلاحيتها في زمن الربيع الديمقراطي إدارة سجن عكاشة مثلا التي حرمت الأخ رشيد نيني من أدوات الكتابة ،وهو حق إنساني ووجودي يتمتع به عتاد الإجرام في الضفة الأخرى بل وقريبا منا في العالم الأوروبي .،ونحن قد يتعرض المرء البرئ الذي لم تثبت عليه أية إدانة بقتل نفس محرمة أو سفك دماء زكية أو غصب عرض طاهر. حتى وإن لم يثبت عليك شيء من ذلك كله فقد تتعرض لأسوء معاملة من إدارتك التي تحكمك ،من قبل "الوالي" أو"العامل" المعين "بظهير شريف" ليقوم بعد التعيين مباشرة بأفعال هي أبعد ما تكون عن النبل والمسؤولية والشرف لهذه العوامل مشتركة وملحة نرى أن الوضع القائم الحالي في الإدارة المغربية ،بمثل هذه السلوكيات المحطة بالكرامة، لا يستقيم مع التطلعات الجديدة الهادفة إلى إنشاء دولة الحق والقانون ،التي يرجو فيها المواطن الحر أن تختفي "الحصانة" و" المناعة"والسمو على القانون كيفما كان درجة الموظف، ساميا كان أو بسيطا،"شريفا" أو عاديا، عملا بالمبدأ الدستوري القائل بربط المسؤولية بالمحاسبة الدقيقة.