تحظى دراسة المجتمع المدني براهنية قصوى بالنظر لتنامي أدواره في سياق تعدد وسائل التواصل الاجتماعي وما خلقته من هوامش جديدة أصبحت أقدر على توجيه أشكال الفعل الاجتماعي والسياسي، كما تبرز أهمية تحليل دور المجتمع المدني على المستويات السياسية والاجتماعية انطلاقا من قوته السببية في إصلاح مسارات تاريخية مختلفة، كان أبرزها النسق الغربي الذي ساهمت فيه الثورات السياسية والاقتصادية، ومن ثم الدينامية الفكرية من خلال فلسفة الأنوار، في جعل بناء هذا المجتمع بمثابة حجر الزاوية في كل تحول ديمقراطي، وشرطا أساسيا لإرساء دعائم دولة عصرية على ثوابت متينة، قاعدتها الوعي بضرورة احترام حقوق الإنسان، وبأهمية توسيع مجال المشاركة الشعبية.

ولذلك اعتبره جون لوك John Locke مجتمع المدينة، أو مجتمع التحضر الذي لا يتم إلا بسمو القانون، وترسخ المؤسسات القادرة على ضمان الحريات. أما توكفيل Tocqueville فقد أكد على دور الجمعيات، عبر دراسته للديمقراطية بأمريكا، في الحد من استبدادية الدولة، وأيضا في بروزها كعماد أساسي لتعليم الديمقراطية والمواطنة.

يحيل هذا التلازم القائم بين المجتمع المدني والديمقراطية على أهمية الدور التاريخي الذي قامت به مكونات هذا المجتمع في الدول الغربية، ولا سيما بعد سقوط جدار برلين وتنامي تأثير ما يطلق عليه بالموجة الثالثة للديمقراطية في أوروبا الشرقية، حيث كان المجتمع المدني يعد بمثابة الفاعل الرئيسي في عملية التحول الديمقراطي التي عرفتها بولونيا مثلا. إن ما يبرر استحضار هذه الأمثلة هو مدى أهمية التركيز على كون هذا الدور هو في حد ذاته ترجمة للقوة السببية التي يتوفر عليها المجتمع المدني في العالم الغربي، وذلك اعتبارا لنشأته وتطوره كلحظة فعالة ومفصلية في تشكل المسار التاريخي لتجذر الديمقراطيات الغربية.

لا نتطلع في هذا المقام إلى الحديث عن أدوار المجتمع المدني بالديمقراطيات الغربية وتوصيفها، بل نكتفي باستحضار هذا الدور كمعطى استشاري يسهل علينا ملامسة الإشكالية نفسها في العالم العربي، وذلك من خلال مقاربتها عبر منظور نقدي يهدف إلى إبراز طبيعة العوائق التي تقف في وجه ميلاد مجتمع مدني مستقل وفعال.

لقد كان الربيع العربي بمثابة فرصة تاريخية لبروز دور مكونات المجتمع المدني كفاعل ليس بالضرورة احتجاجي ولكن سياسي، لأنه كان محركا أساسيا للأحداث التي عرفتها مصر من خلال دور حركتي "كفاية" و" 6 أبريل"، ناهيك عن أهمية الدور الذي لعبته الحركات المهنية والعمالية في دعم الحراك الشعبي وتأجيجه في تونس.

أما فيما يتعلق بالحالة المغربية، فقد كان ميلاد حركة "20 فبراير" بمثابة مؤشر على تطور الوعي الاجتماعي والسياسي لأفراد المجتمع، وهذا ما عكسته طبيعة المطالب التي تجاوزت سقف ما هو سوسيوـــ اقتصادي لكي تلامس مطالب سياسية كانت من قبل حكرا على الأحزاب السياسية بالمغرب.

كل هذه المعطيات حملت في طياتها بشكل ضمني الكثير من المؤشرات الدالة على وجود دينامية ووعي اجتماعيين، إلى جانب تحول ديمغرافي متجسد في دور الشباب كفاعل أساسي في الحراك الاجتماعي، كانا من بين الأسباب الأساسية لبروز بعض مكونات المجتمع المدني كقوة دفع لعملية التحول الدستوري والسياسي في هذه الأقطار.

لقد شكلت حالة الربيع العربي، وما بعدها، مدخلا سياسيا، وأيضا معرفيا، لإعادة التفكير في شروط تدعيم أسس تواجد المجتمع المدني بأنساق سوسيولوجية ظل التشاؤم يصاحب كل نقاش فيها عن إمكانية وجود مجتمع مدني، وهنا نستحضر أساسا تصورات إرنست كَلنر Ernest Gellner حول استحالة تحقيق فرضية وجود المجتمع المدني في العالم العربي/الإسلامي نظرا لعدم قابلية بنياته الثقافية والاجتماعية لتبني الشروط نفسها التي كانت وراء نشأته في الديمقراطيات الغربية. فحسب هذا التصور المعرفي لتأسيس وتقوية دور المجتمع المدني، لا بد من توفر عدة شروط، من أهمها: الفعل الحر والإرادي، المأسسة بمعنى التنظيم المعقلن، فضلا عن قبول الاختلاق والتنوع.

نعتقد أن مبررات هذه النظرة التشاؤمية ما زالت قائمة، خصوصا وأن مخرجات الربيع العربي على المستويين الدستوري والسياسي تحتاج إلى فترة أطول لتتبلور نتائجها وتساهم في إحداث تحول ديمقراطي يدعم دور المجتمع المدني كطرف مركزي في معادلة دمقرطة الأنظمة السياسية، فالارتدادات المسجلة على المستوى الحقوقي والالتفاف على مكتسبات الحراك الشعبي من طرف النخب السياسية المهيمنة والدولة العميقة شكلا نكسة فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من مراحل إعادة إنتاج السلطوية وانتشارها في الفضاء السياسي والاجتماعي، على حساب دينامية فعاليات المجتمع المدني التي أصبح التضييق على أنشطتها يعيد إلى الأذهان الواقع الذي كان قائما ما قبل الربيع العربي.

ويكشف النموذج المصري هشاشة هذا التحول؛ حيث نلاحظ أن وصول الجنرال السيسي إلى سدة الحكم كان بمثابة بداية هذه المرحلة السلطوية الجديدة المتميزة بالقطع مع كل المكاسب التي برزت مع الحراك الذي أدى إلى سقوط نظام حسني مبارك. فلقد أضحت مثلا طريقة وأسلوب السيسي في الحكم تؤشر على مدى استمرارية الأسباب نفسها التي تفسر تعثر مسار دمقرطة الأنظمة العربية ومحدودية تأثير المجتمع المدني. لذا تعتبر هذه العوامل المرتبطة بالطبيعة السلطوية للأنظمة العربية في الوقت نفسه متغيرا تحليليا ومنطلقا لفهم أسباب ضعف وعدم استمرارية القوة السببية لمكونات المجتمع المدني في إنتاج التحول الديمقراطي.

لم تذخر الدول العربية جهدا منذ الاستقلال من أجل تقوية وتأسيس ركائز العلاقة الباترومونيالية التي تربطها بالمجتمع على مجموعة من الثوابت المندمجة ضمن استمرارية تاريخية يصعب معها فرز الدولة عن المجتمع، لأن طبيعة هذه الدولة عبر تركيبة بنياتها السياسية والإدارية تزيد من تعقد هذا الطرح، فهيمنة السلطة السياسية لم تقتصر على تمتين واستعمال وسائل العنف المشروع، بل حاولت اختراق المجتمع المدني بخلقها لمجموعة من الأجهزة الأمنية التي ما فتئت تتوسع بشكل أخطبوطي، وتكتسح جميع المجالات معتمدة، في هذا المنحى، على الرقابة المباشرة لجميع التجمعات والتنظيمات المدنية واستراتيجية التدجين للعناصر النشيطة داخل بعض جمعيات المجتمع المدني.

فعلا، يعتبر البناء الفوقي للدولة العربية عائقا في وجه محاولة بناء مجتمع مدني مستقل، ويقف كسد منيع أمامها، بالموازاة مع عراقيل أخرى ساهمت بدورها في تعثر هذا البناء، وجعلت الحديث أو الكتابة أحيانا عن وجود مجتمع مدني مجرد تصور خيالي لمجتمع مثالي لم ير النور بعد نظرا لضعف التكوين الإيديولوجي وارتفاع نسبة الأمية، وغياب إرادة حقيقية منبثقة عن السلطة السياسية تهدف من ورائها إلى تطوير المؤسسات السياسية، وإفساح المجال لتسريع عمل المجتمع المدني، وتطويره من جانب آخر، ثم نوعية الثقافة السياسية السائدة؛ فهي تكرس وتولد مجموعة من الأفكار التشاؤمية لدى المواطن العادي في ما يخص السياسة والشأن العام الذي أصبح في نظر الكثير من المواطنين مجالا تزكي ممارسة الفاعلين فيه صورة الفعل السياسي كآلية لافتراس المال العام.

لم يدفع العدد المتزايد من الجمعيات الدولة في اتجاه إعادة النظر في علاقتها بالمجتمع المدني، وتأطير هذه العلاقة بأسس جديدة تضمن استقلالية هذه الجمعيات كمدافع عن الحقوق الطبيعية للأفراد مثلما هو عليه الحال في الدول الديمقراطية. فإذا تمعنا مثلا في دوافع نشأة بعض الجمعيات بالمغرب، نجد أن الهدف من وجودها يشكل في حد ذاته عائقا أمام ترسخ فكرة المجتمع المدني، لأن المنطق الريعي هو المتحكم في اشتغالها وأيضا في علاقتها بالدولة.

فارتباطا بهذا الموضوع، نرى أن هذا الأمر ساعد الدولة على ضمان تبعية المجتمع لها من خلال الامتيازات الريعية، التي استفادت منها بعض الجمعيات في إطار برنامج التنمية الذي أضحى يعد من الميكانيزمات الجديدة لدولنة المجتمع، وهذا ما يعني أن التحكم في عناصر المجتمع المدني يبقى محددا أساسيا لطبيعة أنشطته وكذلك لعلاقته بالدولة، التي ما تزال أجهزتها وفية في اشتغالها لمنطق تقليدي/ مخزني قائم على مجموعة من الثوابت المندمجة ضمن استمرارية تاريخية، ونسق سياسي محافظ.

كما تتمثل أيضا عدم استقلالية بعض مكونات المجتمع المدني بالمغرب في تحول بعض الجمعيات إلى أذرع انتخابية للأعيان الانتخابيين، حيث يتم تدعيم هذه الجمعيات ماديا عن طريق منح مخصصة للقطاع الجمعوي، في الزمن اللاانتخابي شرط تعبئتها في الزمن الانتخابي لصالح هؤلاء الأعيان. وهذا ما يعد أحد الأسباب التي تشرح فشل النموذج التنموي واختزال دور بعض مكونات المجتمع المدني في إعادة انتاج الشروط نفسها التي تمنع استقلاليته كفاعل حامل لمشروع إصلاحي. قد يكون من مفارقات تواجد المجتمع المدني، حسب هذه المعطيات، هو خدمة أهداف تتناقض مع الأهداف المشروعة لنشأته. وأخشى أن يساهم تزايد هذا النوع من الجمعيات المستخدمة من الدولة والمنتخبين في تجذر مجتمع انتهازي/ارتزاقي بدل أن يكون مدنيا ذا قوة سببية دافعة لدمقرطة النظام السياسي والمجتمع.

لا يمكن إرجاع ضعف المجتمع المدني إلى بنية الدولة وطبيعة النظام السياسي وحدهما، بل حتى خصوصية المجتمع الثقافية والاجتماعية تشرح بشكل نسبي هذا الضعف. فبالرغم من بروز بعض مكونات المجتمع المدني كفاعل سياسي واجتماعي، غير أن هذا لا يدل على تجذر فكرة المجتمع المدني داخل بنيات المجتمعات العربية بشكل موسع يسمح بنقل علاقتها بالدولة من مستوى عمودي إلى مستوى أفقي. فمن الملاحظ أن الشروط الموضوعية لمأسسة المجتمع المدني ما زالت لم تكتمل ليظل في مرحلة التكوين، يشق طريقه بصعوبة في فضاء متكلس وراكد، ومرد ذلك على حد تعبير واتربوري Waterbury إلى أن كل شيء يميل إلى تكريس الإبقاء والمحافظة على ما هو قائم تحت غطاء التقليدانية الموجهة عن قصد ضد كل تجديد قد يمس بنيات المجتمع، ويعارض النظام التقليدي المدافع عنه.

فجدلية التقليد والحداثة توجه كل نقاش يسعى إلى إيجاد تأصيل نظري لإشكال العلاقة الجدلية بين المجتمع المدني والأهلي. هذا الأخير الذي عادة ما يكون قائما على روابط عصبية وإثنية، وحتى دينية، تتنافى مع طبيعة الأسس والقيم التي يرتكز عليها قيام فكرة المجتمع المدني. وهذا المعطى نلامسه على أرض الواقع من خلال عدم قدرة بعض الجمعيات على تجسيد فكرة الاختلاف والتنوع لأنها في العمق لا ترمز سوى إلى فكرة المجتمع الأهلي والقبلي، وكذلك لسيادة الانتماءات الضيقة.

يعتبر هذا الأمر، في نظرنا، أحد أهم الإشكالات الأساسية التي لا يمكن تفاديها إذا أردنا تشخيص عوائق تجذر فكرة المجتمع المدني في العالم العربي، الذي ما زال نظامه الاجتماعي قائما على العصبية والقبيلة، من هنا يتبادر إلى الذهن سؤال قد يبدو للقارئ متناقضا مع ما قلته سالفا، وهو: هل يمكن للقبيلة كمؤسسة للتنظيم والتأطير الاجتماعيين أن تصبح شرطا عضويا وضروريا لضمان نجاح مسلسل مأسسة المجتمع المدني بالمجتمعات العربية؟

تبدو الإجابة صعبة في غياب تصورات نظرية وأبحاث ميدانية أساسا حول العلاقة بين الجمعية والقبيلة مع تحديد كيفية الانصهار بينهما وفق تصور يقلص من حجم حضور المنطق الإثني في تحديد أهداف العمل الجمعوي والالتزام بتمثلات اجتماعية مرنة للقبيلة بغية تحقيق قطيعة مع تلك التصورات الضيقة الرافضة للآخر وللتنوع.

هذا يعني إعادة تأهيل البنيات التقليدية لكي تتجاوب وظائفها الاجتماعية والثقافية مع شروط إنتاج آليات محلية مرادفة لفكرة المجتمع المدني، لأن الرصيد التقليدي قد يكون في خدمة تحديث المجتمع عندما يتم تطوير أدائه الوظيفي عبر اندماجه في دينامية اجتماعية يكون فيها الإطار القبلي أداة وليس هدفا للمساهمة في مسلسل الإصلاح.

لقد ركزت ولو بشكل مختصر على هذا المعطى لأنه من السهل أحيانا على الباحث في هذا الموضوع استحضار الخصوصية هنا كعائق أمام تطور فكرة المجتمع المدني، ولكن من الصعب عليه التفكير في هذه الخصوصية كحافز، لأن جل الدراسات التي اهتمت بالمجتمع المدني في العالم العربي لم تستطع التوجه إلى الواقع الوطني أو المحلي لتلتمس منه تعريف المجتمع المدني حسب تعبير محمد عابد الجابري، بل ارتمت في أحضان نظريات حول المجتمع المدني مستوردة من الخارج، تم إسقاطها بشكل مباشر على واقع لا تتوافق غالبا خصوصيته الثقافية مع طبيعة النسق الاجتماعي والثقافي الذي تبلورت فيه هذه النظريات.

حسن الزواوي

*باحث في العلوم السياسية.