كشف مرض خليفة حفتر ونقله للعلاج في فرنسا وقائع مدهشة فتحتها قضية خلافة هذا الجنرال الغريب الأطوار والتاريخ والتقلبات.
تبدأ قصة حفتر مع اشتراكه مع الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في قيادة انقلاب عسكريّ ضد ملك ليبيا عام 1969، وصولا إلى قيادته القوات الليبية في تدخل عسكري ضد التشاد وهو ما أدى إلى هزائم مدوية كان أكبرها في الموقع الملغم والشديد التحصين في وادي الدوم، وهي صفحة لم تكشف كل أسرارها بعد لأن جثامين القتلى من الضباط والجنود لم تعد إلى ليبيا، ولأن حفتر، الذي أسرته القوات التشادية، لقي من زعيمها حسين حبري تكريما غير مفهوم، تبعه إطلاق سراحه وسفره على طائرة خصصتها السي آي إيه له حيث انتقل لـ«النضال» ضد القذافي من أمريكا. 
هذه «الخبرة» العسكرية، مع القذافي، والأمنية، مع الأمريكيين، (وكذلك، كما ظهر لاحقا، مع القذافي نفسه عبر تسريبات لاتصالات به من ابن لحفتر كان موجودا في ليبيا) كانت «السيرة الذاتية» CV التي أهلته، كما يظهر، لاعتماده لتنفيذ أجندة دولة الإمارات، الطامحة لإفشال الثورات العربية (بدعوى مكافحة الإخوان)، بحيث انتقل فجأة من صفة «جنرال متقاعد» إلى مشير ورئيس للقوات المسلحة الليبية وطامع بقيادة ليبيا كلها، برضا ومساعدة عسكرية وأمنية من قوى عربية وغربية عديدة.
الصراع الذي احتدم في غياب حفتر طال رئيس أركان جيشه، الفريق عبد الرزاق الناظوري، حين استهدفته محاولة اغتيال بشاحنة مفخخة في بنغازي ضد موكبه، وذلك، حسب أنباء، لأنه مرشح مرفوض من… أبناء حفتر الذين يقود اثنان منهم، خالد وصدام، فوجين في جيش والدهما. وفي أقوال أخرى إنه مرفوض من الإمارات ومصر اللتين تفضلان أحد أبناء حفتر أو ضابطين آخرين هما عون الفرجاني وعبد السلام الحاسي.
وإذا كان الحال كذلك، فالسؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو أن حفتر لم يستلم بعد قيادة ليبيا ومع ذلك فإن اثنين من أبنائه مرشّحان لخلافته، وهي مفارقة كبرى لأن توريث زعماء «جمهوريات» بلادهم لأبنائهم كان أحد الأسباب الكثيرة للثورات العربية. المفارقة الأخرى التي تطرح نفسها تتعلّق بدور الإمارات، التي صارت تقرّر تنصيب قادة لشعوب مغلوبة على أمرها، أو عزلهم حين لا يوافق ساستها (وربما ضباط استخباراتها) على سياساتهم، أو أشخاصهم، أو ربما «سيرهم الذاتية».
مفيد للمقارنة هنا الخبر الذي تناول اعتماد «الحملة الانتخابية» لسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل، للترشح لرئاسة الجمهورية، عبر توزيع مجلة بعنوان «مانديلا ليبيا»، ويحمل تشبيه سيف الإسلام بمانديلا الكثير من مفارقات ليبيا التي تستعيد المبالغات الهائلة للقذافي الأب، كما أنها تقول، ضمنا، إن فكرة توريث البلاد من الأب لأبنائه (رغم سقوطه المدوّي بثورة شعبية)، ما تزال رائجة، وأن الصراع يفترض أن ينحصر بين أبناء القذافي… وأبناء حفتر.
ولكن، إذا كان الحال بائسا إلى هذه الدرجة، فلماذا لا يعود الليبيون (ومن اغتصبوا ولاية أمرهم من دول «شقيقة») إلى سلالة الملك إدريس السنوسي ويطالبونهم بتقديم أوراق اعتمادهم ورثة لحكم بلد تكاثر عليه الضباع واللئام ونهازو الفرص، ما دامت الأمور تؤول بالوراثة لا بالكفاءة أو الاستحقاق؟