إن ما يلاحظ على بيان المحامية الفرنسية راشيل ليندون حول محاكمة بوعشرين هو وجود قواسم مشتركة وتقاطعات كبيرة بينه وبين بيان المحامي الإنجليزي. تبين بالملموس أن هناك سباقا محموما وغير صحي في تحرير البيانات الصحافية عن محاكمة بوعشرين وكأن الجلسات ليس مجالا لتصريف مثل هاته الهواجس والانطباعات. وإذا كان يمكن تفهم أن المحامي الإنجليزي لم يحضر المحاكمة فإن زميلته الفرنسية اختارت محاورتنا عبر الإعلام عوض مقارعتنا بالحجة والدليل أمام القضاء الذي اختارت الانتصاب أمامه في جلستين فقط خصصتا لطرح الدفوع الشكلية من طرف زملائها؛ فعن أية خروقات للمحاكمة العادلة ارتكبتها النيابة العامة أو المحكمة تتحدث وهي لم تكلف نفسها حضور جميع الجلسات رغم تواجدها في المغرب؟. إنها في الحقيقة أزمة أخلاقية تحاصرنا جميعا، أفلم يكن حريا أن يكون البيان جزءا من المرافعة القضائية احتراما للمحكمة ولزملائها في فريق الدفاع ولخصومها، أم أن الانتصاب كان فقط واجهة لمخاطبة الخارج وليس المحكمة، وإلا إن عدم الثقة في منسوب القانون في البيان الصحافي فرضت تصريفه خارج المحكمة للقناعات التي أحاطت به، والتي جعلته بعيدا عن كفاءة وخبرة رجل القانون، بل وحياديته وموضوعيته في التكييف أو التفسير أو الاستنتاج، بعيدا عن التحريف أو التغليط أو القفز على الدلائل؛ لأن القانون والاتفاقيات الدولية لا تتغير باختلاف مركز الدفاع؟.

وفي ما يلي أهم الردود على البيان:

1-البيان يعلق بشكل غريب المحاكمة العادلة على وجود قاضي التحقيق وليس على قاضي النيابة العامة - رغم أنهما معا يندرجان في إطار السلطة القضائية -دون أن يبين مرجعيته في القانون المغربي أو القانون الفرنسي أو القانون الدولي؛ وهذا ما يكشف عن حدود معرفة محررة البيان بالمرجعيات المذكورة؛ فضلا عن أن القانون المغربي لا يجعل التحقيق إلزاميا إلا في حالات خاصة ليست بينها التهم المتابع بها بوعشرين. وتكلمت النيابة العامة بنفسها عن حق الإحالة المباشرة على الجلسة وفقا للمادتين 73و 419 من قانون المسطرة الجنائية المغربي.

2-تحميل الفقرة الثالثة من المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ما لا يحتما إذ تنص صراحة على يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أي مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء. لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.

وهكذا فلا يوجد أي نص في القانون المغربي او القانون المقارن أو الاتفاقيات الدولية يربط الاعتقال بوجود حالة التلبس بالجرم، وإنما بوجود الدليل فقط. وشتان بين التلبس والدليل؛ لهذا فإن اشتراط التلبس لا سند له، لأن الإيقاف والاعتقال يمكن أن يكون في حالة التلبس أو غير التلبس؛ وبالتالي ليس هناك أي انتهاك للفقرة 3 من المادة 9 من العهد المذكور. وهكذا قررت محكمة النقض المغربية أن إحالة الطاعن على المحكمة في حالة اعتقال يخضع للسلطة التقديرية لسلطة الملاءمة المخولة للنيابة العامة كلما ارتأت أنه لا يتوفر على ضمانات الحضور وبالنظر إلى طبيعة الأفعال المنسوبة إليه.

- قرار صادر بتاريخ 19/11/03 تحت عدد 3288 في الملف عدد 117495 منشور بالمجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات عدد5 ص 137 وما يليها.

3- البيان حرر على عجل ولم تتم مراجعته، إذ عوض الإشارة إلى الفقرة 3 من المادة 9 تمت الإشارة خطأ إلى المادة 3 الفقرة 9؛ مع العلم أن المادة 3 تتضمن فقرة وحيدة.

4- اعتبار الإيداع في السجن الصادر عن النيابة العامة قرارا إداريا تفسير غريب لا يوجد حتى في القانون الفرنسي، لأن النيابة العامة سلطة قضائية وقرارات الاعتقال والإيداع في السجن قرارات قضائية وليست إدارية؛ وهذه من البديهيات في التشريعين المغربي والفرنسي، ومحسومة قضاء البلدين.

5- قرارات الإيداع في السجن الصادرة عن النيابة العامة في القانون المغربي لا يتم الطعن فيها لأنه تتم مراجعتها والتظلم منها من خلال طلب الإفراج المؤقت؛ وهذا إعمال طبيعي للمادة 9 من العهد المحتج بها، والتي تنص صراحة على أنه "من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أي مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.

4- لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني".

6-النيابة العامة لم تعترض على أي طلب للإفراج المؤقت، لأنه ببساطة لم يقدم أي طلب بهذا الخصوص؛ وهذا ما يجعل البيان في حالة شرود قانوني، لأن محررته لم تكلف نفسها عناء التقدم بالطلب عوض التعليق ببيان على الموضوع.

7-القضية معروضة على محكمة مستقلة وحيادية وفقا للقانون المغربي والاتفاقيات الدولية وليس هناك أي مبرر موضوعي يفسر أي ادعاء بالخرق. وتم السماح لدفاع المتهم ببسط جميع دفوعه.

8-غياب التوازن في المحاكمة راجع إلى مثل هذه البيانات التي عوض إضاعة الوقت في تحريرها كان يمكن الدفع بها أمام المحكمة بشكل رصين ومؤسس وليس بخلق ذرائع تبرر الفشل في التسلح بالقانون والقضاء في المحاكمة.

9-إضافة محاضر جديدة في الملف تستند إلى الفقرة السادسة من المادة 49 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه يحيل الوكيل العام للملك ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات على هيئات التحقيق أو هيئات الحكم المختصة"؛ وبالتالي فإنه ليس هناك أي عناصر إثبات جديدة؛ فضلا عن أن دفاع المتهم اطلع على المحاضر وأبدى موقفا بشأنها.

10-البيان فيه من التجني ما يبعث على الشك والريبة بادعاء وقائع زائفة لتمرير مغالطات بناء على طلب، لأنه لم يثبت أن النيابة العامة اختارت مشتكيات ولا منعت أخريات من الحضور. كلما هنالك أن المتهم هو من انتقاهن بعناية للاتجار بالبشر والتحرش الجنسي والاغتصاب. وهكذا أصبحت الفيديوهات في نظر محررة البيان كأن لم تكن، ولم تشر إليها من باب الأمانة حتى؛ فغابت حقوق النساء كما لو أنهن من جزيرة منعزلة ولا يستحققن الحماية القضائية.

11-الملاحظ أن محررة البيان لا تعرف شيئا عن القانون المغربي، لأن المطالب المدني غير ملزم أصلا بالحضور في الجلسة؛ فكيف إذن يصح الربط بين اختيار مكنة عدم حضور كحق، وبين الحجة؟ وهذا ربط تعسفي لا يستقيم إلا في ذهن من يعتقد أن حجته في الدفاع "متهاترة"، ويروح عن نفسه بادعاء أكور غير قابل للتصديق ولو بمغالطة القانون نفسه وتزييف أحكام القضاء ومقرراته.

12-بوعشرين يعرف جيدا المشتكيات وأمكنة اقتراف الجرائم، والخمسين فيديو شاهدة على الوقائع إلا أن محررة البيان أنستها الحماسة قراءة المحاضر لأنها محررة باللغة العربية.

13-مسطرة المحاكمة ليست لا بالغريبة ولا بالعبثية ولا يمكن القول بذلك إلا من طرف من اختار الحضور الفلكلوري لجلستين عوض متابعة كل الجلسات وإثارة الدفوع في الجلسة والدفاع عن المتهم فيها وليس تدبيج البيانات والتحدث باسم قانون مغربي أو دولي تم تجاهل مقتضياته والتعسف في تفسيرها.

14- المحكمة لا تملك قانونا التشاور مع الدفاع بشأن عدد الجلسات أو التأخيرات على خلاف ما ورد في البيان.

15-المجتمع الدولي يحترم استقلال القضاء ولن يغامر في التفاعل مع بيان لا يقدم ولا يؤخر شيئا، ومكتوب بطريقة لا تنم عن احترام القانون أو القضاء بتجاهل أبجدياتهما بالركوب السياسي على المحاكمة عوض التسلح بالحجة والدليل والبرهان.

15 -الاعتقال التحكمي هو الاعتقال خارج القانون وبدون أمر القضاء. وفي نازلة بوعشرين فهو متابع بجنايات وجنح بإثباتات علمية. وتم احترام جميع المساطر في الإيقاف والتفتيش والحجز والمتابعة والمحاكمة.

16-إن التباكي على خروقات غير موجودة والتغاضي عن الدلائل العلمية القوية يسائل ضمير رجل القانون وكل مؤمن بالعدالة بعيدا عن المناصرة التعاقدية.

محمد الهيني

*عضو فريق دفاع مشتكيات بوعشرين.