لا أحد يقبل أن تُمسّ سيادة أراضيه، ولا أحد يمكن أن يقبل بالاستفزازات المتكرّرة لجبهة البوليساريو، ولكن لا أحد أيضا يقبل بأن ننساق وراء دعوات إعلان الحرب بالصّحراء.

بعد التحرّكات الأخيرة لجبهة البوليساريو في المنطقة العازلة ،بدأت الحكومة المغربية تُلوّح بالحرب، وبدأ البعض ينتصر لفكرة الدخول في حرب، دون أن يعرف أن الحرب في أحسن حالاتها لا تترك سوى المآسي .

من يُلوّحون بالحرب الآن هم من يجلسون في مكاتبهم المكيفة، و من سيشارك في الحرب التي تدق طبولها الآن لا قدر الله هم أبناء الفقراء من الذين يرابطون في الصّحراء.

دعونا من الشّعارات الجوفاء ،دعونا من الوطنية الزّائفة ،فنحن نعرف أنّنا مهما انتصرنا لقضيّتنا الوطنية ومهما دافعنا عنها ، لن ننساق وراء الدّعوات التي تدعو إلى الحرب، ولن ندعم تلك الحملات الاندفاعية لأنّنا نعرف أنّ ضرر هذه الحرب أكبر من نفعها، وهنا لا يعنينا رأي من يجلسون من وراء الحواسيب، والذين يُخطّطون للحرب وهم لم يسبق لهم أن خاضوا حرباً ولا أن مروا بقرب جبهات القتال، بقدر ما يهمّنا أولئك الذين سيعانون من ويلات هذه الحرب، و الذين سيكونون في الخطوط الأمامية والذين سيشهدون هول ذلك الجحيم. سؤال لأصحاب التّعويضات الخياليّة من الذين ينتصرون لفكرة الحرب من وراء الحواسيب ومن فوق المنابر الإعلامية ،ماذا سيستفيد المغرب من الحرب؟ وماذا سيحقّق لو أنّه دخل في حرب مع البوليساريو ؟ وماذا استفاد من الحروب السابقة مع الجبهة ؟ المغرب لم يُحقّق شيئاً من تلك الحروب التي خاضها مع البوليساريو منذ 1975 حتى1991 تاريخ سريان مفعول وقف إطلاق النّار ، بل على العكس من ذلك، فهذه الحرب خلّفت وراءها مئات الضحايا من الطرفين، لا يعرف عددهم إلى حدود كتابة هذه

السطور . أمّا من يدعو إلى حرب جديدة في الصّحراء، ويحاول أن يرى الأمور ببساطة معتقداً أنّ الحرب هي الحلّ الوحيد للقطع مع تلك الاستفزازات المستمرة لجبهة البوليساريو، نقول له هوِّن عليك فالحرب ليست لعبة، والدّعوة إلى الدخول فيها مغامرة غير محسوبة العواقب. المغرب لم يستفد من الحروب السّابقة، ولم يجنِ منها سوى الويلات، والحرب التي يُلوّح بها البعض لن تكون إلا مثل سابقاتها .

أخشى أن يُفهم كلامنا هذا في غير محلّه، فنُتّهم بأنّنا عاطفيون وأنّنا لا نفهم مايجري على الأرض، وبأنّنا لا نُقدّر حرص هؤلاء على أراضيهم ولكنّ الحقيقة أنّ الحرب و إن ظهرت للبعض أنّها هي الحل فهي المشكلة بعينها بالنّسبة للمغرب.

نقول إنّ الدّخول في حرب مع جبهة البوليساريو مغامرة غير محسوبة العواقب ، لأنّ المغرب دولة ملتزمة بالقرارات الأممية، وأيّ دخول في حرب ضد الجبهة سيعصف بكل الجهود التي بذلها المغرب منذ مدّة لإضعاف الجبهة ، وسيعصف بكل جهوده من أجل الحفاظ على وحدته الترابية، زيادة على أنّ الدّخول في حرب مع الجبهة سيُسقط الدولة المغربية في معادلة غير متكافئة الشيء الذي سيجرّ عليه الكثير من النّقد من طرف المجتمع الدولي في الوقت الذي يبحث فيه عن دعم دولي لمشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الصّحراوية . للأسف الشّديد البعض منّا لازال يرفض قول الحقيقة، ولازال غير جاهز للتّعامل مع القضايا بشكل موضوعي ،فأفكار الحرب اجتاحت عقولنا حتى أصبحنا لا نرى من حلول لمشاكلنا سوى اللّجوء إلى الحرب .

لنتعلّم أنّ دعم السّلام والحرص عليه أفضل بكثير من اللّجوء إلى الحرب، ولنتعلّم أنّ الأرض ليست عطشى لدماء الأبطال بل لعرق الرجال ، فلترحموا عُقولنا أيّها السّادة.



رشيد أخريبيش