إن أي محاولة لاستقراء المفهوم الجديد للسلطة، كما طرحه جلالة محمد السادس في بداية عهده، تستدعي منا قبل كل شيء، وضع هذا المفهوم في سياقه التاريخي والسياسي، فهو يأتي في مرحلة العهد العالمي الجديد، وفي مرحلة انتقال ديمقراطي يتميز بالسعي (المغربي) إلى صياغة توافقات جديدة بين الفاعلين في الحقل السياسي حول أهم الخيارات والتوجهات التي يتأسس عليها النظام السياسي... كما تتميز، من جانب آخر، بسعي العهد الملكي الجديد إلى تشجيع انبثاق مجتمع حداثي، وتكريس دولة المؤسسات.

إن المفهوم الجديد للسلطة استقطب العديد من الباحثين والفقهاء والدارسين، فكان محل قراءات متعددة الأبعاد، متعددة الأهداف، ومتعددة المناهج؛ ذلك لأن المفهوم الجديد للسلطة في المنظور الملكي يقوم على التجديد في إطار الاستمرارية، استمرارية الثوابت الدستورية والخيارات الكبرى التي يتأسس عليها النظام السياسي. لأجل ذلك، يتجه نحو تصحيح وضع شاذ ترتب عن تضخم الجهاز البيروقراطي، فضلا عن مخلفات الإرث التاريخي الذي تمثله إدارة المخزن والإدارة العصرية التي ارتبط تأسيسها بالإدارة الاستعمارية، مما عزز الطابع السلطوي للإدارة، في الوقت الذي كان ينبغي أن تكون الإدارة أداة لتنفيذ السياسة العامة للحكومة، ومنتجة المرتفقين.

ذلك يعني أنه لتحقيق أهداف هذا المفهوم، كما رسخه جلالة الملك، لا بد من إخضاع السلطة إلى شروط الإصلاح الأساسية:

الانفتاح على المواطنين والاحتكاك المباشر بهمومهم ومشاكلهم.

تعزيز المشاركة الإدارية، ودمقرطة المجال الإداري من خلال إشراك المواطنين في إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل القائمة.

تفعيل إدارة متطورة قادرة على التفاعل مع محيطها، تساير وتتكيف مع التطورات التي يشهدها المجتمع، وتعكس انشغالاته من خلال التركيز على الميادين التي تحظى بالأولوية والأهمية من قبل مكونات المجتمع المدني، كحماية البيئة وتفعيل العمل الاجتماعي، وإدماج الفئات المحرومة بشكل يجسد فعليا مفهوم الإدارة المواطنة، فضلا عن ضرورة تفعيل إدارة المبادرة وتجاوز واقع إدارة الجمود والتدبير البيروقراطي للشأن العام.

في هذا الشأن يرى العديد من الباحثين والخبراء أن أي مفهوم للسلطة لا يمكنه أن يتطور في جو من التخلف الاقتصادي والاجتماعي؛ لذا ينبغي أن تتم ممارسة السلطة وفق منظور شمولي للتنمية، بناء على إستراتيجية محكمة واضحة المعالم والوسائل والآليات.

وهو ما يعني إدخال مجموعة من الإصلاحات على نظام العمل الإداري، وتوفير مجموعة من الشروط الضرورية لتجديد أسلوب تدبير الشأن العام، منها تدعيم وتطوير إطار اللامركزية الإدارية وإطار اللاتركيز الإداري، وعقلنة تنظيم وتدبير الموارد البشرية، وإخضاع هذه الموارد للتكوين المستمر ومراقبة أخلاقياتها، والعمل على تبسيط الإجراءات والمساطر الإدارية، وضمان الشفافية في العمل الإداري، والحد من السلطة التقديرية للإدارة، والتواصل مع المواطنين والمقاولات والمجتمع المدني، وتدعيم دور القضاء في بلورة المفهوم الجديد للسلطة.

يعني ذلك أن إعطاء مفهوم جديد للسلطة، في الوضع المغربي الراهن، أصبح يتجاوز من الناحية السياسية منطوق الكلمات، وأن السلطة "الوطنية" الحديثة، وحدها القادرة على ردم هوة التخلف الاقتصادي/الاجتماعي الذي ساهمت سلطة "الهاجس الأمني" في إذكائه لفترة طويلة من الزمن... فالسلطة المطلوبة في نظر هذه المكونات يجب أن تقوم على مبدأ مغرب المواطنة، لا مغرب النخبة الحاكمة، وعلى مبدأ محو ثقافة السلطة المخزنية، وهو ما يتطلب تغييرا شاملا للعقليات وللأشخاص وللقيم السلطوية القائمة.

في نظر الفقهاء/ العلماء أن إعطاء مفهوم جديد للسلطة يجب أن لا يتنافى مع طبيعة النظام الملكي المغربي الذي ظل لقرون عديدة يستلهم من الإسلام جزء رئيسيا من شرعيته: البيعة والإمامة. فالملك خارج مفاهيم الإصلاح والتحديث، يبقى هو رجل الدولة الأول الفاعل الأهم بمنطوق الفقه، والممثل الرئيسي للأمة، رمز وحدتها وضامن استمرارها، حامي الملة والدين، الساهر على احترام الدستور، ولكن على أن يكون ذلك في ظل ثقافة الإسلام ومرجعية الشريعة الإسلامية.

وفي نظر العديد من رجال الدين، وبالنظر إلى جميع الاعتبارات التاريخية المتمثلة بالأساس في تمسك الدولة المغربية بالإسلام كمرتكز لبناء شرعيتها عبر تاريخها الطويل، فإن أضمن السبل للإصلاح والتغيير ستكون تلك التي تنطلق من الشرعية الدينية نفسها، المتمثلة في التصور الإسلامي لنظام الحكم. وهو ما يعني أن الدعوة إلى تحديث المؤسسة الملكية يجب أن تستلهم التراث السياسي الإسلامي، الذي يجعل من الأمة مصدر السلطة، ومن الحاكم ممارسها المسؤول عنها، بموجب البيعة، كعقد ملزم للحاكم في قيامه بحراسة الدين والاهتمام بأمور المسلمين، كما تلتزم الأمة بالطاعة في المعروف، بما لا يتناقض مع كتاب الله وسنة رسوله.

ويرى أحد أفراد الأسرة الملكية البارزين أن قيم العدالة والمساواة والجماعة في الإسلام تشكل عناصر قوة لتطور مواطنة حقيقية، فلا شيء في الدين الإسلامي (في نظره) يتعارض مع تأسيس مجال سياسي ديمقراطي، فبناء هذا الأخير هو المهمة التي يتعين التركيز عليها دون تأخير لمواجهة تحديات القرن الجديد/الألفية الثالثة.

إن الإسلام يوحي بإعمال العقل لبلورة القواعد الجديدة التي ستسمح، كلما كانت النصوص المكتوبة غير كافية لتحديد ما يجب القيام به، بالتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

أما الإعلام الوطني المغربي، الذي خاض إلى جانب مكونات المجتمع المدني معركة تحديث السلطة طيلة عهد الاستقلال، فيرى أن إعطاء مفهوم جديد للسلطة وتجديدها يتطلب قبل كل شيء جملة من الإجراءات المستعجلة:

ــ إعادة وزارة الداخلية إلى حجمها الطبيعي كوزارة تتمتع فقط بما تتمتع به باقي الوزارات في الحكومة، ومراجعة كل القوانين التي أعطتها في السابق اختصاصات واسعة ومتشعبة جعلت من عمالها وولاتها وكبار موظفيها حكاما فوق القانون.

ـــ متابعة آليات المراقبة والمتابعة والمحاسبة لكافة رجال السلطة على مختلف تصنيفاتهم، الذين قاموا بأعمال أو تصرفوا في أموال أو سلط خارج القانون، في المرحلتين السابقة والحالية.

ــ مراجعة مواقع الولاة والعمال والباشوات والقياد والشيوخ والمقدمين وكافة رجال السلطة في النظام الإداري المغربي، وملاءمة هذه المواقع مع مستلزمات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتصحيح صورة رجال السلطة في عيون المواطنين.

ــ العمل على تفعيل الاتفاقيات الدولية، لمناهضة كافة أشكال التعذيب والعقوبات القاسية، وعلى إغلاق جميع المعتقلات السرية، وإبعاد كافة رجال السلطة ورجال الشرطة الذين تورطوا في تعذيب واعتقال المواطنين عن مراكز المسؤولية وتقديمهم إلى القضاء من أجل محاكمتهم.

وضع حد نهائي لتدخل السلطات في شؤون القضاء... ولتدخل الأمن في شؤون الجماعات والمدارس العليا.

ــ دعم حرية الرأي والتجمع والاقتراع.

هل نستطيع ذلك...تلك قضية/قضايا أخرى.

أفلا تنظرون...؟


 

محمد أديب السلاوي