الحديث عن استقلالية القضاء لا يعني النيابة العامة في شيء، لأن النيابة العامة تبقى طرفا في المحاكمة. فالقضاة الواقفون كرجال السلطة، يتلقون تعليمات بما أنهم يعملون تحت إشراف سلطة تراتبية يحددها القانون، كما أنهم قد يحصلون على ترقيات بقدر كسبهم للقضايا.

بصفة عامة، ممثلو النيابة العامة يدافعون عن الدولة، والمحامون -الذين ينتمون أيضا إلى أسرة القضاء-يدافعون عن المواطنين المتقاضين. فوحده إذن القضاء الجالس معني باستقلالية القضاء، لأن القاضي الجالس لا يتلقى تعليمات، بقوة القانون، كما أنه لا يترافع ولا يدافع عن أي طرف من الأطراف.

أن تكون النيابة العامة تحت سلطة الحكومة يعني إمكانية محاسبتها ومساءلتها. لكن إذا كانت خارج سلطة الحكومة، فهذا يعني أن النيابة العامة تتمتع بسلطة مطلقة قد تجعلها في أغلب الأحيان لا تتراجع عن المتابعة ولو ارتكبت أخطاء في التقدير ومهما كانت براءة المتهمين واضحة، بما أنها تبقى بمنأى عن المساءلة والمحاسبة.

ولما يقرر ممثل النيابة العامة المتابعة، فهذا يعني أنه يقرر إنفاق جزء من المال العام. فإذا كانت المتابعة في غير محلها بتاتا، فقد يعتبر ذلك إهدارا وتبديدا للمال العام...، وبالتالي قد يكون الرهان بالنسبة للنيابة العامة كسب القضية وليس تحقيق العدالة، في حين إن ممثل النيابة العامة ما هو سوى محامي الدولة الذي عليه الدفاع عن حقها. أما حق الدولة، فيكمن في تحقيق العدالة وليس الحصول بالضرورة على الإدانة... وأما تحقيق العدالة، فقد يتم أيضا باتخاذ قرار بعدم المتابعة أو بالتراجع عنها تجسيدا للعدل وانتصارا للعدالة التي يجب أن تكون فوق كل اعتبار.

إن اتخاذ قرار المتابعة، مثلا، في حق أبرياء لا يستحقون المتابعة قرار ظالم بعده ظلم كبير، لأن المتابعة القضائية في حد ذاتها تلحق ضررا جسيما بالمتابعين ظلما. طبعا، قد يحصل أن تبرئ المحكمة أبرياء، لكن هذا من المفروض أن يحصل فقط لما تكون النيابة العامة قد قررت المتابعة بناء على معطيات منطقية وليس بناء، مثلا، على مجرد تأويلات وتخمينات مغلوطة خاطئة، وإلا فلا متابعة أصلا على الأقل تجنبا لإهدار وتبديد المال العام.

فمثلا، أن يكون الأمر يتعلق بمجموعة من المتهمين يدلون بالتصريحات نفسها أو بتصريحات منطقية وبحسن نية وبصدق بواح يكرس براءتهم، وأن يلجأ ممثل النيابة العامة، مثلا، في "مناورة كافكاوية" إلى اتهامهم بتكوين "عصابة إجرامية" بدون أدنى موجب حق حتى يبرر قرار المتابعة، ففي ذلك ظلم قد يبعثر ويدمر حياة أبرياء وأسرهم وعائلاتهم في استهتار واستخفاف لا يرقى أبدا إلى دولة الحق والقانون.

إن النيابة العامة ليست معنية باستقلالية القضاء، وبالتالي فلابد أن يتولى مسؤوليتها وزير من ضمن التشكيلة الحكومية، في إطار الديمقراطية، تفاديا للمتابعات التعسفية التي تمول من المال العام وحتى لا تتكرر مآس يا ما دمرت ولم تشيد شيئا يذكر. أما والديمقراطية ما تزال في طور البناء في دولة ما، فمن الحكمة تجنب حشر النيابة العامة في الكلام عن أية استقلالية حتى لا تتغول سلطة الاتهام على حساب سلطة الحق والقانون وتكريس ثقافة العدل والعدالة، مما قد يقتل في المهد فكرة القضاء المستقل.

خلاصة: يبقى القضاء الجالس النزيه الكفء الشجاع المتزن المستقل الأمل الوحيد في تحقيق العدالة وإنصاف المظلومين في انتظار إرساء نظام قضائي شامل يرقى، إن شاء الله، إلى دولة الحق والقانون. والله أعلم.


 

يونس فنيش