في الحقيقة الحكومة الجزائرية ليست هي الوحيدة التي تخاف من ظاهرة النقابات المستقلة. فالعديد من الدول في المنطقة العربية، تخاف من الشكل الجديد من النقابات، وهي التي تعودت على الشكل القديم منها، التي وجدتها على الأرض، حتى قبل ظهورها هي كدول. فقد تم تكوين الاتحاد العام للعمال الجزائريين ست سنوات قبل استقلال الجزائر، والشيء نفسه حصل في تونس والمغرب، فقد تكونت فيهما نقابات وطنية قبل حصولهما على استقلاليهما.
خوف عبرت عنه الحكومة الجزائرية بعدة أشكال ـ منذ نشأة هذه النقابات في بداية التسعينيات ـ يمكن ان يصل إلى منع هذه النقابات من العمل وخلق العراقيل أمامها، لولا بعض الخوف من التضامن الدولي، بعد اشتداد الضغط الذي مارسته نقابات قطاع التربية على شكل إضرابات طويلة. يحصل هذا التضييق رغم الاعتراف الدستوري بهذه النقابات، التي تملك تجربة ميدانية تصل إلى ربع قرن، في بعض الحالات. 
وقد رفضت الحكومات المتعاقبة الاعتراف بهذه النقابات كشريك كامل الحقوق، في عملية التفاوض المركزي التي اقتصرت لحد الآن على المركزية النقابية، التي أُدمجت في العملية التفاوضية لحد الذوبان تماما. مركزية نقابية تقلص تمثيلها في أكثر من قطاع، على غرار التوظيف العمومي التي تكاد تختفي منه لصالح النقابات المستقلة التي تكونت بعد الاعتراف بالتعددية النقابية، من قبل دستور 1989 الإصلاحي.
أحد أسباب الخوف الحكومي من النقابات المستقلة: تمثيليتها القوية للفئات الوسطى الأجيرة، من موظفين وأطباء ومعلمين الذين جندتهم النقابات لأول مرة في تاريخ هذه المجتمعات، التي كان المعلم (ة) والأستاذ (ة) والطبيب (ة) لوقت قريب جزءا من النخب، فإذا بهذه النقابات تحوله إلى مناضل شرس، يحتج ويضرب ويواجه قوات الشرطة في شوارع المدن. تحول، له تداعيات سياسية مباشرة على القاعدة الاجتماعية للدولة الوطنية التي فقدت يدها السياسية الضاربة، التي كان يمثلها هذا الموظف. تفسير خوف الحكومات الجزائرية المتعاقبة لا يقتصر على هذه التحولات السوسيو- سياسية على أهميتها، التي تعيشها قاعدة الدولة، بل يتعداه الى ما هو فكري وسياسي كذلك، فالنخب الرسمية التي وصلت إلى مواقع القيادة الحكومية في السنوات الأخيرة، تعادي بشكل كبير العمل النقابي، الذي لا تعرفه، نتيجة نشأتها غير العمالية، أو تعاديه لأسباب أيديولوجية وسياسية، في وقت استفحلت فيه سيطرة أيديولوجيات ليبرالية ونيوليبرالية، على النخب السياسية الرسمية. هذه النخب الرسمية لا تفهم كيف يضرب الطبيب عن العمل، لمدة شهور، هو الذي يدرس بالمجان، في مجتمع المستشفى فيه أحسن من المستشفى الأمريكي، حسب تصريحات أحد سكان نادي الصنوبر من الوزراء (المنطقة الخضراء الجزائرية) للجيل الثالث على التوالي، هو الذي يتنقل دوريا للقيام بفحوصه الطبية، مهما كانت بسيطة في مستشفيات باريس، تدفع تكاليفها الخزينة العمومية الجزائرية السخية، بما فيها تكاليف نقل جثمانه في حالة وفاته، تأكيدا لظاهرة انتشار تفضيل الموت في مستشفيات باريس، الذي أصبح من مقاييس الانتماء للنخبة الحاكمة التي يقول لسان حالها، إن من لا يتداوى في باريس ولا يموت في مستشفياتها، ليس منا!
جو فكري وسياسي يمكن ان نفهم من خلاله المعاداة الكبيرة للعمل النقابي المستقل وغير المروض، الذي يمكن أن يصل إلى منع بعض النقابات التي لا تدخل في الصف، من النشاط او التضييق عليها أكثر، بحجج كثيرة مستوحاة من «قراءة قانونجية» للإطار الرسمي الذي يحكم العمل النقابي في البلد. قراءة يسهلها ويجعلها ميسرة، ما هو معروف عن مؤسسات الدولة التي تشتغل في تناغم كبير، تكون السلطة القضائية داخلها في خدمة السلطة التنفيذية، والقاضي في خدمة الموظف والوزير، لا يرفض له طلب. «قراءة قانونجية « تفضلها النخبة الحاكمة كملاذ وحيد، بعد فشلها في التعامل مع الواقع المتحرك، بكل صعوباته وما يعرفه من جديد، في مجتمع شاب، انتشر فيه التعليم وزاد فيه الانفتاح على العالم، مازالت فيه النخب الرسمية ومؤسساتها تفضل التعامل، مع المواطن الجزائري الكبير في السن الأمي أو شبه الأمي، المهادن الذي ينتظر الهبات والصدقات من دولته الوطنية الريعية، كما عودته على ذلك تاريخيا.
ميزة هذه النقابات التي لجأت الى إضرابات طويلة (أساتذة وأطباء) أنها لا تطرح قضايا الأجور فقط التي كانت لوقت قريب، من السهل التفاوض حولها، بل تطرح قضايا لها علاقات مباشرة بتسيير قطاعات مهمة كالصحة والمدرسة، التي لم تعد تثق فيها النخب الحاكمة، لكنها لا تريد ولا تعرف كيف تجري عليها الإصلاحات المطلوبة مجتمعيا، فكل ما قامت به هذه النخب الحاكمة، أنها قطعت صلاتها بهذه المؤسسات، كالمدرسة على سبيل المثال، فلم تعد تبعث بأبنائها لها. فالانتماء إلى محيط النخبة الرسمية المغلق أصبح يمر عبر إرسال الأبناء الى الجامعة الفرنسية وحتى الأمريكية، لتترك الجامعة الجزائرية تموت في هدوء، بعد ان تأكدت الدوائر الرسمية، أن الكلفة السياسية لإصلاحها ستكون مرتفعة جدا!
ما يزيد من احتمال تطرف صاحب القرار الذي يمكن أن يصل به إلى منع النقابات المستقلة أو يضيق عليها أكثر، انه يحضر نفسه هذه السنة للدخول بقوة في حملة انتخابية رئاسية حاسمة، بمواصفات غريبة، بل شاذة، المطلوب منها الحفاظ على استمرارية الأوضاع السياسية نفسها (2019) انتخابات المطلوب فيها من الجميع الهدوء وعدم المطالبة والقبول بالأمر الواقع، في حين تبدو هذه النقابات التي احتلت مركز المطالبة الاجتماعية، وكأنها «تشوش «على الحملة التي لم يعلن عنها رسميا، لكنها حاضرة بقوة في سلوك المؤسسة الرئاسية، كما تدل على ذلك عمليات توزيع السكن الاجتماعي، التي مست المدن الكبرى والزيارات الميدانية لأعضاء الحكومة إلى الجنوب وحتى مهادنة أبناء منطقة القبائل لتحييد قدرتهم على «التشويش» التي مازالوا يمتلكونها، كما هو حال سكان المدن الكبرى وحتى حراك الجنوب جزئيا.
واقع يفرض على النقابات المستقلة التفكير في وضع استراتيجية تحالفات واسعة، لكيلا تدخل هذه المواجهات، التي لاريب فيها وهي منفردة ومشتتة. مع نخب رسمية ابتعدت كثيرا عن مجتمعها وشعبها، نفسيا واجتماعيا، كما تدل على ذلك استراتيجياتها العائلية التي تجعلها تفضل مستشفيات باريس للتداوي، وحتى الموت فيها، وجامعات باريس لإعادة إنتاج سيطرتها عن طريق أبنائها علينا. بدل إصلاح المدرسة والمستشفى الوطني، كما تطالب بذلك النقابات المستقلة والمواطن.

 
كاتب جزائري

ناصر جابي