اواخر العام 1991 وبعد ان بلغ الرئيس الاميركي جورج بوش الاب، نبأ انسحاب روسيا من الاتحاد السوفيتي، وتفككه فعليا، رد على ذلك بالقول؛ يجب ان لا تأخذنا النشوة، وأمر بزيادة الانفاق على الترسانة العسكرية الاميركية، او هكذا تلقيت الخبر من اذاعة صوت اميركا، وقتذاك، على ما اتذكر. ومن تابع تطورات الامور في السنين القليلة التي تلت انهيار المعسكر الاشتراكي وحل حلف وارسو، يتذكر كيف ان اميركا سعت لضم روسيا لحلف الناتو، تحت مسمى "الشراكة من اجل السلام"! لكن تلك المحاولات جوبهت برفض سياسي وشعبي روسي واسع، احرج بوريس يلتسين، الوسنان بثقافته الغربية الجديدة.

لم يمض الكثير من الوقت حتى عادت روسيا قوية، بعد ان تسلم زمام الامور فيها فلاديمير بوتين، وانعكست هذه العودة على الواقع السياسي العالمي، لاسيما الدول المتذمرة من انفراد اميركا بالقرار الدولي، ومنها دول في حلف الناتو نفسه، بعد ان اتخذت الادارات الاميركية المتعاقبة الكثير من القرارات التي لم تنسجم مع رؤيتها، لإحساسها ان اميركا راحت تعمل لمصالحها على حساب مصالح شركائها في الحلف. في المقابل، بدأت بوادر حلف جديد، غير معلن، يتشكل على اساس المصالح المشتركة بين روسيا وبعض دول العالم، وفي مقدمتها الصين وايران، فيما كانت هناك دول اخرى في اميركا اللاتينية، تبلور تصوراتها السياسية ومواقفها بعيدا عن الهيمنة الاميركية التي صارت تخف وطأتها شيئا فشيئا، في اكثر من مكان في العالم، وتحديدا بعد غزو العراق واحتلاله، والمأزق الذي واجهه الجيش الاميركي، وما رافق ذلك من تخبط واضح في استراتيجية ما بعد الاحتلال، دفع باتجاه المطالبة الواسعة، اميركيا، بالانسحاب من العراق.

لقد بدأت بوادر تصدع حلف الناتو واضحة، في السنين الاخيرة، لان المخطط الذي وضعته الادارات الاميركية للمنطقة، والذي شرعت بتنفيذه مع انطلاق ما سمى بالربيع العربي، ظل بعيدا عن الشركاء، ولو في بعض تفاصيله المهمة، وهو ما تجلى في اعتراضات تلك الدول على السياسة الاميركية. فتركيا مثلا، التي تعد رأس حربة الحلف في الشرق، ايقنت ان المخطط الاميركي يهدف الى تغييرات كبيرة في خرائط المنطقة، وان عضويتها في الناتو لم تعصمها منه، بعد ان باتت في عين الاعصار الذي سيفكك ايضا كل من العراق وسوريا، ومن ثم ايران. ويعني بالتأكيد ايضا، ان روسيا سيضيق مجالها الحيوي بشكل غير مسبوق، وتغدو محاصرة عسكريا وسياسيا واقتصاديا، اي خنقها تماما، ما دفعها مع الدول المستهدفة الاخرى الى الاتحاد غير المعلن، للدفاع عن مصالحها بوجه التمدد الاميركي القادم، والذي لم يكن في مخرجاته المحتملة بصالح اغلب الدول الاوربية الاعضاء في حلف الناتو. وبذلك صنعت اميركا، ومن دون ان تقصد، حلفا مقابلا، في وقت اخذ حلفها يتحلحل من الداخل او بات مهددا بالتفكك. وقد بلغ هذا ذروته حين انضمت تركيا الى الحلف المقابل غير المعلن هذا، بعد ان تكشفت لها النوايا الاميركية في سوريا، ومحاولتها ضم الكرد في شمالي سوريا للكرد العراقيين، واقامة دولة كردية، تراها كل من تركيا وايران بداية لتفككهما لاحقا، بعد ان تخرج الامور عن سيطرة الجميع ويبقى اللاعب الاميركي وحده يتحكم باثنيات واعراق ملتهبة في دول متصدعة او مفككة، وهو ما توقعه الكثيرون من المراقبين، قبل ان تتغير الامور على الارض بعد التدخل الروسي في سوريا، وتغير مزاج تركيا في سوريا.

من يتابع المشهد اليوم، سيرى بوضوح ان حلف الناتو فقد الكثير من تماسكه، لان كل دولة فيه صارت تتعامل مع دول منطقتنا وفقا لمصالحها الخاصة وبمعزل عن بقية الدول الاخرى، بفعل غياب الرؤية المشتركة لدول الحلف الذي كان قد تأسس في العام 1949 ليس للوقوف بوجه التمدد الشيوعي فقط، وانما من اجل الحفاظ على مصالح الدول الرأسمالية ومجالاتها الحيوية اقتصاديا وسياسيا وامنيا في العالم، وهو ما لم يعد حاضرا او ضروريا لجميعها اليوم، بينما يحضر هذا وبشكل قوي في المعسكر المقابل، او الحلف الذي يجمع روسيا بدول اقليمية مهمة. بعبارة ادق، ان الذي جمع دول حلف الناتو وجمع دول حلف وارسو من قبل، هو المصالح الخاصة بكل دولة اكثر مما جمعتها العقائد، وان اتخذتها قناعا وفرّ لها المنعة الداخلية والخارجية الى حد كبير، وان الذي فرق حلف وارسو قبل اكثر من عشرين عاما، هو ما يفرق حلف الناتو اليوم.

هل ستتدارك دول حلف الناتو الامر وتعيد اليه تماسكه القديم؟ ربما يحصل هذا وهو غير مستبعد بعد ان تراجعت واشنطن عن مخططها الكبير في الشرق الاوسط، او عجزت عن تنفيذه، وايقنت ان الاستمرار بهذا النهج سيكلفها ثمنا باهظا، قد يكون في مقدمته زعامتها لحلف الناتو، القوة العظمى التي ظلت ترهب الجميع لعقود من الزمن، ولم تعد كذلك الان!

 

عبدالأمير المجر