في إطار دراسة أعددتها لمركز «كارنيغي للشرق الأوسط» عن الظاهرة السلفية في لبنان، يبرز دور السجون اللبنانية المكتظة، كمصانع للتطرف تنبغي معالجتها. وقد يكون العفو العام المرتقب في لبنان، مدخلاً مثل هذا الحل، لا سيما أن هناك بعدين أساسيين لدور هذه السجون في إنتاج أجيال جديدة من السلفيين الجهاديين: الأول على ارتباط بالمعاملة السيئة داخلها والاكتظاظ الرهيب، والثاني متعلق بغياب نظام لفرز السجناء وتصنيفهم.

والمثال الأبرز على ما سبق هو سجن رومية الأكبر حجماً في البلاد، إذ بات يُشتهر على مدى العقد الماضي بكونه «مصنعاً للتطرّف»، حيث تُجنّد الجماعات الجهادية الأعضاء الجدد وتُعد الخطط لهجمات إرهابية.

لكن، وبدءاً من العام 2014، اتخذت المشكلة أبعاداً جديدة أخطر وباتت تتمدد إلى كل السجون. في تلك الأثناء، سمح تشكيل حكومة لبنانية جديدة للجيش اللبناني بشن «خطة أمنية» تضمّنت اعتقال مئات المُشتبه بأنهم مُتشدّدون سنّة في كل أنحاء لبنان. وقد استمرت هذه الحملة ضد ملاذات وخلايا المتشدّدين حتى صيف 2017. على المدى القصير، أعادت هذه الخطوة الشعور بالأمن بعد أن انحسرت هجمات المتطرّفين إلى حد كبير. لكنها أسفرت أيضاً عن اكتظاظ سجون البلاد وتراكم القضايا في الهيئات القضائية، وكل ذلك ستكون له آثار ستجعل الأمور أكثر سوءاً من خلال مفاقمة شبح التطرّف على المدى البعيد. والواقع أن حجم هذا التحدي لا سابق له. ففي حين كانت السجون اللبنانية مُصممة أساساً لاستيعاب 2700 مسجون، ترفع تقديرات العقد الأول من القرن الحالي العدد إلى حوالى 4700 سجين، وإلى 7000 في العام 2016.

يُتهم معظم هؤلاء الموقوفين بأن لديهم روابط مع جماعات تعتبرها الدولة «إرهابية». وبهدف مواجهة هذا التحدي، عمدت وزارة الداخلية التي تُشرف نظرياً على كل السجون، إلى تشجيع وزارة الدفاع على إيواء أعداد متزايدة من المُعتقلين في مراكز التوقيف والتحقيق الخاصة بها، مثل مركزي اليرزة والريحانية. على الصعيد الرسمي، يقول ضباط عسكريون: «نحن لا نستبقي المعتقلين في مثل هذه السجون لفترة طويلة، بل نفعل ذلك فقط خلال التحقيقات». لكنّ مسؤولين آخرين يعترفون بأنه يتم في الحقيقة الإبقاء على السجناء لفترات أطول بكثير. والأسوأ من ذلك أن المركز اللبناني لحقوق الإنسان ذكر أن «الاعتقالات وعمليات التعذيب والتوقيفات في هذه الأماكن، تستمر مع حصانة لهذه الأخيرة من المُساءلة والمقاضاة»، وهو اتهم مديرية المخابرات العسكرية بخرق حقوق الإنسان، وانتزاع الاعترافات القسرية، وإبقاء السجناء في حالة عزلة مديدة. وقد زعم سجين سابق في الريحانية أنه حُرم هناك من النوم أياماً عدّة، وتعرض للضرب وكان ضحية ما سمّاه بـ «الانحراف الجنسي».

حين نُقِلَ المعتقلون في نهاية المطاف إلى سجن مدني (أحياناً بعد ستة أو سبعة أشهر من التوقيف في المراكز العسكرية) عاينوا ظروفاً عرّضت صحتهم إلى المزيد من الأخطار. وقد شددت غالباً الجمعيات غير الحكومية التي زارت مراكز التوقيف على أن السجون المُكتظة لم تحظ بجهود لتجديدها وتطوير بناها التحتية ومعالجة النقص في الجسم الطبي لديها، ما أدى إلى تدهور سريع في الوضع الطبي والنظافة الصحية. وفي العام 2015، عممت وزارة الداخلية معلومات عن تجديد بعض مباني سجن رومية سيئ السمعة، لكنّ المسؤولين في سجن القبة في طرابلس، ثاني أكبر سجن في البلاد، اشتكوا من أن رومية «يحتكر كل الميزانية»، ونتيجة لذلك «تم إهمال بقية السجون».

علاوةً على ذلك، أسفرت الحالة السيئة للسجون اللبنانية، وكذلك المعاملة العنيفة التي تعرّض لها المعتقلون عن تعريض حالتهم النفسية للمزيد من التفاقم.

ولاحظ ناشط في جمعية غير حكومية يعمل مع السجناء حدوث زيادة في الأمراض العقلية غير المشخّصة، وقدّر أن 75.8 في المئة من السجناء في رومية يعانون من اضطرابات الوسواس القهري، و60.6 في المئة من الاكتئاب، و43.4 في المئة من اضطرابات القلق.

وهذا الوضع يزداد تفاقماً جراء فترات الانتظار الطويلة قبل محاكمة الموقوفين. وتُظهر الإحصاءات أن ما يقدّر بحوالى 66 في المئة من كل الموقوفين لم يحاكموا بعد، وأن أكثر من النصف سيكون عليهم الانتظار ما بين ستة أشهر إلى ثلاث سنوات قبل أن يحدث ذلك.

ثمة أخطار متزايدة بأن تؤدي هذه الظروف المتدهورة بسرعة إلى دفع السجناء إلى أحضان التطرّف. وقد أعرب ناشط اجتماعي يزور السجناء على نحو منتظم عن قلقه العميق، بعدما لاحظ في الشهور الأخيرة زيادة حادة في خطاب الكراهية الذي يستهدف الدولة. لا بل شعر قائد مجتمع محلي يعمل مع سجناء تم إطلاق سراحهم حديثاً بالذعر، وجادل بأن ظروف السجن حوّلت المجرمين العاديين إلى «قنابل موقوتة» مدفوعة بحس الانتقام من المجتمع. ويبدو أن السجناء السنّة كانوا على وجه الخصوص أكثر عرضة للتحوّل إلى التطرّف، لأنهم يشكلون غالبية المُعتقلين ويميلون إلى الاعتقاد بأنهم يعانون من التمييز أكثر من غيرهم. وهكذا، فإن العوامل الطائفية والمعادية للدولة في خطابهم، تمهّد الطريق أمام تفشّي الأيديولوجيات السلفية في السجن. ولاحظ رجل دين يعظ السجناء السنّة أن الجماعات الجهادية مثل هيئة تحرير الشام و «الدولة الإسلامية» حصدت مؤخراً شعبية في السجن بفعل خطابها الذي يعطي «معنى» لإحساس السجناء بالظلم، بخاصة بعد أن أقرّ السياسيون السنّة الرئيسيون الخطة الأمنية.

هناك عامل آخر يساهم في انتشار الأيديولوجيات السلفية المُتشدّدة في السجن، هو عدم وجود آلية متماسكة لتصنيف السجناء وفق جرائمهم، ما يعني أن صغار تجار المخدرات واللصوص يمتزجون في الزنزانات مع قادة وعقائديي الجهاديين. ويقول ضابط مسؤول عن سجن رئيسي في لبنان أن مثل هذا الوضع بائس ومؤسف، لأنه أدى إلى تكرار عمليات «غسل الدماغ» التي يصبح بموجبها المجرمون متطرّفين سلفيين. وينطبق هذا حتى على سجن رومية حيث يتم، شكلياً، فصل السجناء «الإسلاميين» عن «غير الإسلاميين» من خلال وضعهم في عنابر مختلفة، لكن هذا التصنيف يكون في الغالب مائعاً. على سبيل المثل، يبدي مسؤول رفيع في السجون أسفه لأن معظم المعتقلين في العنبر «ب» «الإسلامي» كانوا في البداية أشبه بالقبضايات ورجال العصابات المحليين المعادين للسلطة، لا بالمتطرّفين السلفيين المُتصلبين. لكن بعد وضعهم في الزنازين نفسها مع القادة الإسلاميين والعقائديين تغيّر العديد منهم. وأصر هذا المسؤول على أن كلاً من إعادة التأهيل الأخيرة في العنبر «ب» وبناء منشآت مُتشدّدة أمنياً في العام 2018 لإيواء «أخطر الإرهابيين» يوفّر مساحة أمل ما، لكنه اعترف في الوقت نفسه أن التطرّف لا يزال مشكلة.

وأكد سجين سابق في العنبر «ب» في رومية مدى عمق هذه التحديات، حين أوضح أن بعض أصدقائه انضموا إلى منظمات سلفية متطرّفة بعد أن تشاطروا الزنزانة نفسها مع أعضائها. وخلص إلى القول أنه بدلاً من منع الإرهاب تقوم السجون بـ «إنتاجها».

بناء على ما سبق، من الضروري إعادة هيكلة أنظمة السجون والقضاء في لبنان. وهذا يتضمّن تسريع وتيرة الإجراءات على أنواعها، وضمان الرقابة المدنية، وتشييد المزيد من مراكز الاعتقال، وتصنيف السجون وفقاً لطبيعة الجرائم، ومتابعة قضية احترام حقوق الإنسان، وتسهيل إعادة الدمج في المجتمع.