تطرح "الرشوة" من موقعها على خارطة الواقع المغربي أكثر من سؤال، خاصة وأن المغرب يتطلع إلى مكانه وموقعه على خارطة لألفية الثالثة، وهو موقع يلتقي في تقاطعاته مع "المنظمة العالمية للتجارة" و"العولمة" و"الأسواق المفتوحة" و"الأسواق الحرة" مع الدول الأخرى القريبة والبعيدة التي تشاركه الأهداف والتطلعات، فكيف يتأتى ذلك وغول الرشوة مازال يعلن عن جوعه ونهمه وجبروته؟

إن هذه الحقيقة مازالت تدفع بالمجتمع المدني والمجتمع السياسي والمسؤولين المغاربة إلى الاهتمام بالرشوة كظاهرة. وهو اهتمام تجلى في بعض الندوات وتحسيس الرأي العام بـ"أهمية" الموضوع إلا أن الأمر في ظل الظروف الراهنة، ظروف تطلعنا نحو الألفية الثالثة، يقتضي إجراءات أكثر صرامة وأكثر جدية لتصفية هذا الغول وفساده وتصفية تراكماته السلبية.

إن ما فعلته محاكمات "الرشوة" واستغلال النفوذ على علاتها هو "الزج" بمحدودية مفعوله في المحيط العام، في حين إن الإشكالية كما تطرحها الحكومة والمجتمع المدني أوسع من هذه المحاكمات وآثارها. إن قضايا الفساد تتعدد أوجهها ويتداخل على ساحتها الخاص والعام التنموي، والسياسي، والثقافي، والإنساني. ومن ثم تصبح معالجتها في حاجة إلى إستراتيجية وطنية شاملة.

وقد سبق للإعلام الوطني أن اقترح "نيابة" عن المجتمع المدني إجراء حوار عقلاني هادئ حول الرهانات والتحديات المطروحة على البلاد في أفق تطهيرها من الفساد والمفسدين كمدخل وفاتحة للإصلاحات الموعود لفتح مثل هذا الحوار وتعميمه، بمشاركة أطراف الإنتاج والشركاء السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين والثقافيين للبلورة الإستراتيجية اللازمة لمواجهة "غول" الفساد بأشكاله ورموزه و"تقاليده" والقضاء عليها شكلا ومضمونا.

إن الحكومة من وجهة نظر الأحزاب التي تكونها، وبموازاة الإجراءات والتدابير التي تعتزم اتخاذها في المجالات الضريبية والإدارية، وفي مجال الضمان الاجتماعي، عليها أن تتخذ إجراءات وتدابير مصاحبة لمحاربة الفساد والمحسوبية والرشوة، ولن يتأتى ذلك في نظر هذه الأحزاب دون نشر تربية جديدة توجهها ثقافة النزاهة عبر الدوريات ووسائل الإعلام العمومية، حتى تصبح العلاقة بين الإدارة والمواطنين علاقة لا مكان فيها للرشوة والارتشاء.

إن موضوع الرشوة في نظر هذه الأحزاب يتعلق بعنصر أساسي من عناصر التغيير، لأن الهدف هو أن يحس المواطن بأن شيئا ما قد تغير، وبأن الرشوة لم تعد سيدة الموقف في هذا القطاع أو ذلك.

بالطبع هناك مبادرات قائمة تدفع بالإصلاحات إلى مواقع متقدمة، وهناك أيضا إرادة جماعية، سياسية وغير سياسية، لمواجهة غول الفساد، منها عملية "التصريح بالممتلكات" وقانون من أين لك هذا؟ وهذا في حد ذاته مكسب هام لحساب المستقبل، ولكن لا يعني ذلك التخلي عن الردع، وعن تحديث التشريعات القانونية لبناء مجتمع جديد يحكمه القانون والعلاقات الموضوعية المرتكزة على مبادئ الشفافية والنزاهة.

ولن يتأتى ذلك إلا بالتراجع عن سياسة الفوارق والامتيازات في توزيع الوظائف والمناصب، وفسح المجال للمراقبة الشعبية لما يجري في الإدارات والمؤسسات العمومية، وتحسين أحوال الفئات الصغرى من العاملين والمسؤولين، وإشاعة ثقافة القانون وتحصين مسؤوليات الدولة من التجاوزات والانتهاكات المختلفة، وإصلاح القضاء باعتباره فاصلا في المظالم والنزاعات بين المواطنين والمسؤولين، وذلك دون الإصلاح السياسي المتعلق بالمؤسسات الدستورية التي لا يمكن التقدم في تطهير البلاد من مرض الرشوة إلا في كنف مؤسسات نزيهة وقوية، ومخلصة للاضطلاع بهذه الإرادة...

إن مهمة محاربة الرشوة في هذا المنظور يجب أن تكون أساسية لدى "حكومة التغيير" ولدى كل قوة ديمقراطية حقيقية، لأن النضال على المستوى المجتمعي هو الكفيل بمواجهة الأسس المرشية والمغشوشة على مختلف المستويات.

وبعد،

بعد هذه "الإضاءة" المختزلة التي اعتمدت خطاب المجتمع المدني والخطاب "المقابل" للحكومة في مسألة الرشوة وظاهرتها الخبيثة، حاولت ضبط الحوار الدائر حولها في المشهد السياسي والإعلامي والاقتصادي والاجتماعي العام بالبلاد، لكن مع ذلك ما زالت تتبادر إلى الذهن مجموعة من الأسئلة التي لا نملك أي جواب عنها.

هل أصبح المغرب مؤهلا لطرد شبح الرشوة من إدارته ومقاولاته وحياته؟ متى يبدأ؟

وكيف سيبدأ حملته الحقيقية ضد هذا الشبح المخيف؟

وبأي الأسلحة سيطرد/ سيقضي على هذا الشبح؟

سنترك هذه الأسئلة معلقة على جدارية واقع الرشوة إلى أن يستيقظ القرار... أو يستيقظ ضميره.

 

محمد أديب السلاوي