بمصادقة مجلس النواب على مشروع قانون "إعادة تنظيم وكالة المغرب العربي للأنباء" في جلسة عمومية الثلاثاء الماضي، تكون حكومة العثماني قد أشهرت "البطاقة الحمراء" في وجه شعار "الخبر مقدس والتعليق حر" الذي ناضلت أجيال من صحافيي المؤسسة من أجل تفعيله.

وبالنظر إلى الطريقة التي تمت بها بلورة وإقرار النص الجديد، تكون الحكومة، وهي في سنتها الأولى سياسة، قد تعاملت مع "لاماب" وكأنها مؤسسة عمومية لإنتاج الحديد والصلب والخشب وليس مؤسسة إعلامية تنتج وتقدم منتوجا إخباريا بوأها القانون مكانة معتبرة حين صنفها ضمن المؤسسات الاستراتيجية للبلاد.

ومع أن هذا المشروع الذي صوت لفائدته 175 نائبا ومعارضة 61 نائبا، مع امتناع 34 آخرين عن التصويت، قد اكتفى بإدخال إصلاحات طفيفة، فإنه حاد بالمؤسسة عن أهداف الخدمة العمومية ورمى بها في أحضان الربح التجاري بمفهومه الضيق، وأدار ظهره ولم يعبأ بمقترحات تمخضت عنها اجتماعات المجالس الإدارية للوكالة، قبل حتى دستور سنة 2011، فضلا عن توصيات الفاعلين في الإعلام الوطني خلال العديد من المناسبات، كان آخرها الحوار الوطني للإعلام والمجتمع.

كما أن مضامين القانون الجديد لم تتجاوب أيضا مع التحولات العميقة التي تشهدها مهنة الصحافة، ومتغيرات المحيط العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تتحرك ضمنه وكالة المغرب العربي للأنباء، على المستويات الوطنية والإقليمية والجهوية والدولية، وهو المحيط الذي شهد تحولات عميقة وجذرية على كافة المستويات أدت إلى سيادة مناخ جديد في الممارسة الصحافية، مع بروز مفاهيم وتصورات مبتكرة للعملية الإعلامية تساير التطورات التكنولوجية ولا تكتفي باقتناء آخر صيحاتها لتلميع الواجهة.

وبغض النظر عن التعديلات التي قدمها النواب والملاحظات التي أدلوا بها حول الوضعية العامة الراهنة بالوكالة، التي تتميز في نظرهم بتردي المنتوج وسوء التسيير وتدبير الموارد البشرية واستشراء ظاهرة المحسوبية والعلاقات الزبونية، فإنه كان حريا بالواقفين وراء هذا القانون الأخذ بعين الاعتبار الرصيد المهني الذي راكمته الوكالة لما يناهز 60 سنة، وتجارب وخبرات الأجيال المتعاقبة من الصحافيين، بهدف جعل المقتضيات القانونية المؤطرة لها جديرة بهذا التراكم؛ وذلك حتى يتمكن العاملون بها من التحكم وباستقلالية مهنية في أدوات العمل الإعلامي الذي تتطلبه وكالة وطنية للأنباء تسعى إلى تحقيق الإشعاع على المستوى الإفريقي والعربي والدولي يكون له انعكاس إيجابي على المنتوج المهني للوكالة والارتقاء به إلى مدارج الاحترافية المعمول بها في وكالات الأنباء.

وفضلا عن ذلك، يلاحظ أيضا أن المصداقة على القانون الجديد/القديم تأتي في ظل التراجع المسجل في مضامين النشرات والتقارير والتغطيات الإخبارية، خاصة خلال الفترة الممتدة ما بين 2011، سنة إقرار الدستور الجديد، إلى الآن، مما كان له انعكاس سلبي على صورة ومردودية الوكالة وخدماتها، مع تراجع ملحوظ في مستوى مواكبتها للأنشطة الرسمية والهيئات السياسية والمنظمات المهنية والنقابية والحقوقية والجمعيات الثقافية، وتغييب التعدية التي تميز المجتمع المغربي، وهو ما يشكل خرقا سافرا لمقتضيات الدستور. ويبقى المؤشر الأخطر على هذا التراجع هو السيطرة المبالغ فيها للهاجس التجاري والإداري بعد أن كانت الكلمة الفصل قبل سنة 2011، بسلبياتها وسياقاتها، تعود إلى أقسام التحرير.

ويرى المتتبعون أن هذا القانون الذي جرى تمريره في غياب نقاش عمومي حقيقي، وفق منهجية ومقاربة تشاركية، وفي ظل "حالة الاحتقان والتوتر" الذي يسود وكالة المغرب العربي للأنباء، بسبب القرارات الانفرادية لإدارة هذه المؤسسة الإعلامية، وفق ما تتداوله وسائل الإعلام، لم يتجاوب مع التعديلات التي تقدمت بها مختلف الفرق البرلمانية أغلبية ومعارضة، وهذا الأمر يجعل هذا التشريع قاصرا عن رفع التحديات التي تواجه مؤسسة وطنية تم تدشينها يوم 18 نوفمبر 1959 من طرف المغفور له محمد الخامس الذي اختار لها شعار "الخبر مقدس والتعليق حر"، كشركة مساهمة خاصة، في وقت كانت فيه غالبية وكالات أنباء العالم الثالث تابعة وموجهة من طرف الحكومات.

إن هذا التراكم والرمزية التاريخية كانا يفترضان أن تعمل حكومة سعد الدين العثماني أولا على توفير بيئة صحية تمكن من فتح حوار ونقاش عمومي ديمقراطي وفق منطور واضح للإصلاح، يأخذ بعين الاعتبار كافة الأبعاد والزوايا، وينفتح على كافة الآراء بدون تسلط وتعسف، مع تثمين كافة المكتسبات والمبادرات الايجابية، في أفق تطوير منتوج وكالة المغرب العربي للأنباء حتى يستجيب للحاجيات الحقيقية للمهنيين، ويكون في مستوى التطلعات والتحديات الداخلية والخارجية للبلاد، ويجيب عن الأسئلة الحقيقة للقرن الواحد والعشرين.

لقد كان المأمول أن يتم تمكين وكالة المغرب العربي للأنباء من تشريع يرقى إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا الصرح الإعلامي العمومي الوطني ولموارده البشرية المتميزة، حتى يواكب التحديات التي يطرحها مجتمع الإعلام والمعرفة، ويستجيب لمقتضيات العمل الإعلامي الوكلاتي، وتحديث وعصرنة هياكلها وتثمين مواردها البشرية، لتكون الارتقاء بجودة المنتوج، يمر حتما عبر تدبير محكم للموارد البشرية، وحكامة جيدة واستراتيجية للتكوين واضحة، تأخذ من جهة الحاجيات الحقيقية للعاملين، وتتماشى من جهة ثانية مع خطط حقيقية للتطوير والعصرنة حتى تظل قاطرة حقيقية للإعلام الوطني وتنخرط في مواكبة القضايا الوطنية، ملتزمة بشعارها المؤسس "الخبر مقدس والتعليق حر".


 

جمال المحافظ