لا يمكن لإنسان حقيقي أن يشاهد ذلك "الفيديو" المتعلق بجريمة الاغتصاب التي سجلت تفاصيلها في مدينة بنجرير في شهر أبريل، ونفذت في حق تلميذة قاصر ترتدي وزرتها البيضاء، وتحمل محفظتها على ظهرها، وهي تجر كما تجر الشاة للذبح، وتقلب أطرافها على الأرض، كما تقلب الأشياء، وهي تصرخ وتتوسل وتستنجد ملء فمها، و"عقلها يكاد يخرج وينفلت من حلقها"، والوحش الآدمي يعمل على تجريدها من سروالها، بغية الانقضاض على فريسته، غير آبه بكل توسلاتها وصراخها...وصديقه يوثق لحظة الموت النفسي والتجريد من الإنسانية والانغماس في الوحشية.

لا أحد يشاهد هذا "الفيديو" دون أن يقشعر بدنه وجلده، ودون أن تتسارع دقات قلبه...ودون أن تخيم عليه الصدمة، ويركبه الهلع والقرف، لهذا الحال المزري وهذا الدرن الذي يغلف القلوب، وهذا العنف الذي لازالت بناتنا تشرب من ينابيعه العديدة والمتنوعة، والذي لازالت نساؤنا تتعرض لجرائمه، وتتجدد أساليبه وتتطور، بتطور وتجدد أدوات العصر، وبتغاضي المسؤولين عن فظاعته وبتساهلهم مع المجرم وعدم تجريم العنف.

بعد كل هذا القرف وهذه المهازل المتتالية في حق النساء والطفلات، ألم تستيقظ الضمائر بعد؟ ألن يتحرك أولو الأمر بعد؟ ألم تتجشأ المعدة جراء التعنيف والتقتيل النفسي بعد؟ ألم تنضج الرؤوس؟ ألم تحن اللحظة الحاسمة لنقف جميعا ضد هذا الغول الأخرق، هذا المرض العضال، وهذا العار الكبير الذي لا نزال نحتل فيه المراتب الأولى، وجعل بلادنا تتبوأ الدرجات الأخيرة في اللاعنف؟.

اغتصاب في واضحة النهار وعلى "عينك يا بن عدي" ومع التوثيق بالصوت والصورة؟...يا للعار والهوان... و"الضصارة" الزائدة !!! اغتصاب آدمي! وكأنه يجر "فرخة" أو شاة...وليس إنسانة بشحمها ولحمها ونفسيتها...أي مقت وأية "سيبة" هذه؟؟؟ !!!... وأي انفلات عقلي وأخلاقي وأمني وروحي...هذا؟؟؟... وأي تساهل في الأحكام؟؟...

بالله عليكم، متى سنقف جميعا ونقول كفانا همجية وحيوانية...وأن عصر الغاب واللاحقوق قد انتهى وولى، وقد أصبحنا في عصر المساواة والحقوق الإنسانية والكرامة البشرية، والحقوق النسائية، التي نص عليها دستورنا الإلهي، ويعمل الفكر الذكوري على حجبها والعمل على تعتيمها بعدة مسميات، ونص عليها دستورنا الوضعي، الذي اتفق وصوت عليه الكل (دستور2011)، إذ صادق عليها من خلال مجموعة من البنود والمواثيق الدولية التي تناهض العنف ضد النساء.

أمر مؤلم ومقيت كل المقت...يدمى معه القلب إلى درجة الانفطار...لا بد من تحقيق الأمن النفسي للفتاة وللنساء...لا بد من إيجاد حلول جذرية...لا بد من التجريم والعقاب وعدم التساهل مع المجرم وعدم إفلاته من العقاب...ولا بد من غسل الأدمغة...بالتحسيس والتوعية....لا بد من تغيير العقليات الذكورية...ولا بد من منح المرأة مكانها وكامل حقوقها...ولا بد من وضع حد جذري لهذه الحماقات وهذه "السيبة" المفرطة... بوضع قوانين زجرية تكفل الوقاية والحماية والتكفل وعدم التساهل مع الوحوش البشرية.

فقد ولى عصر الوأد البدني والنفسي...للنساء والفتيات والطفلات. لا بد من قطع دابر العنف بسن قانون جد ملائم ضده، ولا بد من تقريب المدارس والإعداديات والثانويات من التلميذات، وخصوصا في البوادي والمدن الصغرى...وإلا سيخلق هذا "الفيديو" وأمثاله الكثيرة، (التي أصبحت تمطر العالم الافتراضي بشكل متتالي)، الهلع في قلوب الآباء قبل التلميذات...وسيذكي نار الهدر المدرسي؛ وبالتالي تكريس الأمية الأبجدية والثقافية وكل أنواعها، والحكم على المجتمع بالانغماس في براثن الجهل المطبق، وازدياد نسب العنف والقتل النفسي والبدني في حق النساء...والرجوع إلى عصر الجاهلية الأولى.

 

حياة البدري