دور أذربيجان في الاقتصاد العالمي وآفاق تعميق التعاون الاقتصادي مع المملكة المغربية

تتمتع جمهورية أذربيجان بموقع جغرافي متميز، وكذلك بنية تحتية مهمة، ولها أهمية إقليمية ودولية تؤهلها لكي تشكل مركزا لوجيستيا مربحا، إذ يمكنها موقعها الإستراتيجي من ربط سوق التجارة بين الغرب والجنوب، وكذلك تؤمنه بنيتها التحتية اللازمة للمواصلات؛ ونخص بالذكر الميناء البحري الدولي الذي تم تشييده في العاصمة باكو.

مر الاقتصاد الأذربيجاني بمرحلتين رئيسيتين: الأولى تمتد من سنة 1991، وهو تاريخ حصولها على الاستقلال، إلى 1995، وتميزت بعدم الاستقرار؛ والمرحلة الثانية بدأت سنة 1996 وتمتد إلى يومنا هذا، وتميزت بالاستقرار الاقتصادي والتنمية الاقتصادية الديناميكية، إذ بدأت جمهورية أذربيجان بممارسة حقوق سيادية واتباع سياسة مستقلة. وكان الاتجاه الرئيسي لهذا النشاط هو إنشاء نظام اقتصادي قائم على مختلف أشكال الملكية، والانتقال إلى اقتصاد السوق والاندماج في الاقتصاد الدولي.

ونتيجة لسياسات بعيدة النظر للزعيم الوطني للشعب الأذربيجاني حيدر علييف، وعمله الجاد، تمكنت أذربيجان

من تحقيق نجاحات كبيرة في جميع المجالات على الرغم من البداية الصعبة التي مرت بها الدولة بعد حصولها على الاستقلال، إذ ظهر نموذج جديد للتنمية والإصلاحات الاقتصادية، وهو النموذج الأذربيجاني.

تميز20 شتنبر 1994 بتوقيع وتنفيذ الاتفاق الذي يعرف حاليا في جميع أنحاء العالم باسم "عقد القرن"، وهو دليل واضح على تنفيذ إستراتيجية النفط الجديدة التي وضعها حيدر علييف، والتي تعتبر جزءا من مفهوم التنمية الاقتصادية في جمهورية أذربيجان المستقلة. وأود أن أستحضر في هذا الصدد مقولة حيدر علييف: "إن امتلاك أذربيجان لاحتياطيات كبيرة من النفط والغاز يعتبر ضمانة لسعادة شعبنا ويمثل العامل الأهم لتوفير حياة أفضل وتحقيق التنمية الاقتصادية لحاضر ومستقبل أذربيجان".

وقع الزعيم الوطني حيدر علييف مرسوما بشأن إنشاء صندوق النفط الحكومي لجمهورية أذربيجان في 29 دجنبر 1999، الهدف الأساسي منه هو ضمان التوزيع العادل للثروة النفطية بين أجيال أذربيجان، عن طريق التركيز على مضاعفة إيرادات مبيعات النفط للأجيال القادمة، وفي الوقت نفسه استخدام هاته الأخيرة لصالح الأجيال الحالية، مع مراعاة لذوي الاحتياجات الاجتماعية الحالية في البلاد، واحتياجات التنمية الاقتصادية.

بعد حصول أذربيجان على استقلالها، أعطت السياسة الاقتصادية الخارجية أهمية كبيرة للعلاقات مع المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، وفي هذا الاتجاه تم القيام بعدد من الإنجازات خلال الفترة الماضية، إذ إن أذربيجان تعتبر عضوا في منظمات دولية كثيرة، بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي منذ سنة 1992، وبنك التنمية الآسيوي منذ سنة 1999 وغيرها من المنظمات الدولية.

لتنفيذ تدابير منهجية ومستمرة لتنويع الاقتصاد، وفقا لمراسيم وتعليمات رئيس الجمهورية، تم تنفيذ 3 برامج خماسية السنوات، متعلقة بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية لجمهورية أذربيجان.

وعلى مدى السنوات الماضية، حققت أذربيجان تقدما كبيرا في جميع المجالات، وأصبحت من أسرع البلدان النامية تقدما.

تحت قيادة حيدر علييف، تم تطوير إستراتيجية النفط التي شكلت المفتاح الأساسي لنجاح اندماج أذربيجان في النظام الاقتصادي العالمي. ووفقا لهذه الإستراتيجية وفي وقت قصير تم ترميم البنية التحتية وإعادة بنائها على النحو التالي:

طريق التصدير الشمالي، طريق التصدير الغربي، باكو-تبيليسي-جيهان، وجنوب القوقاز لتصدير الغاز.

في الوقت الراهن، يعتبر خط أنابيب باكو - تبيليسي - جيهان ممر الطاقة الوحيد الذي يربط موارد بحر قزوين أذربيجان بالأسواق العالمية، وعلى وجه الخصوص ساحل البحر المتوسط.

احتمال توسيع فرص التصدير في قطاع الطاقة هو الانتهاء من بناء ممر الغاز الجنوبي، والذي يتضمن توسيع خط أنابيب غاز جنوب القوقاز (باكو ء تبليسي أرضروم)، فضلا عن بناء خط أنابيب الغاز في تركيا طناب ووصوله إلى أوروبا (خط أنابيب طاب).

ومن المتوقع أن تصل أول إمدادات الغاز الأذربيجاني عن طريق أنبوب الغاز طناب إلى تركيا خلال السنة الجارية بحجم ستة مليارات متر مكعب في السنة، وفي أوائل عام 2020 سيتم توفير 10 مليارات متر مكعب من الغاز لأوروبا عن طريق طاب.

لقد فرضت أذربيجان نفسها عالميا في مجال الطاقة في الوقت الراهن، وأصبحت من أكبر المنافسين لروسيا، وخصوصا على مستوى السوق الأوروبية. وفي نفس الوقت قد تتزايد المواقف التنافسية لأذربيجان في سوق الغاز إذا انضم في المستقبل مصدرون آخرون لموارد الطاقة في بحر قزوين إلى "ممر الغاز الجنوبي".

يتميز الاقتصاد الأذربيجاني الحديث بالتطور الناجح والديناميكي. أما قطاع الطاقة فهو قاطرة التنمية ومصدر رفاهية البلاد والاندماج الرئيسي في الاقتصاد العالمي في ما يخص التجارة الخارجية، إذ تتميز بإيجابية الميزان التجاري بفضل تصدير موارد الطاقة، إلا أن هذا الأخير منذ سنة 2015 أصبح يشهد تراجعا مقارنة مع السنوات الأخيرة بسبب انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية.

في الهيكل التجاري لصادرات أذربيجان موارد الطاقة شكلت سنة 2016 حوالي 87 ٪ من إجمالي الصادرات، منها: النفط الخام أكثر من 71.14 ٪، الغاز الطبيعي 10.73 ٪ ومنتجات النفط حوالي 4.85 ٪.

أما في ما يخص باقي الصادرات، يمكن أن نذكر الخضار والفواكه بنسبة 4 ٪ من إجمالي صادرات أذربيجان

أذربيجان التي تصدر النفط والغاز بشكل أساسي إلى أوروبا وآسيا. ومن بين المستهلكين الرئيسيين للطاقة الأذربيجانية إيطاليا، التي تستهلك ما يقرب من ربع النفط الخام الأذربيجاني، وتركيا، التي تستهلك نحو 80٪ من الغاز الأذربيجاني. ومن ثم فإن هذه البلدان هي أكبر الشركاء المستوردين من أذربيجان، بالإضافة إلى الدول الأخرى كتايوان وألمانيا وفرنسا والهند.

إن أكبر شركاء أذربيجان هم روسيا، تركيا، الصين، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. ومن بين السلع الأساسية التي تشتريها أذربيجان في السوق العالمية السيارات والمعدات الكهربائية، معدات النقل، المنتجات الصيدلانية، الصفائح الحديدية، الحبوب، الخ.

بشكل عام، تعمل أذربيجان بنشاط على تطوير العلاقات الاقتصادية الدولية، سواء في منطقتها أو خارجها. ومع ذلك، وكما نرى، فإن القارة الأفريقية لديها حصة صغيرة في العلاقات التجارية مع أذربيجان، إذ بلغ حجم التبادل التجاري مع الدول الإفريقية 245.8 ملايين دولار أمريكي أو ما نسبته 1.39٪ من إجمالي قيمة المعاملات التجارية للبلاد.

بالنسبة للتبادل التجاري الأذربيجاني مع المملكة المغربية نلاحظ أنه في المرحلة الحالية لم تسجل العلاقات التجارية بين بلدينا بعد أي تطور ملحوظ من شأنه أن يساهم في تنمية العلاقات، إذ إن حصص التبادل التجاري بينهما مازالت ضئيلة. وحتى إذا قارنا التبادل التجاري بين المغرب وباقي دول الاتحاد السوفيتي سابقا فإن أذربيجان لا تمثل في هذا السياق إلا ما يعادل 0.004٪ من حجم المعاملات التجارة الخارجية للمملكة المغربية مع الدول سابقة الذكر.

العلاقات التجارية الثنائية يمكن أن نقول إنها غير مستقرة كما هو واضح من خلال دراسة البيانات الإحصائيات المغربية والأذربيجانية على حد سواء.

بشكل عام خلال سنوات التعاون الثنائي تم تزويد المملكة المغربية بالمنتجات البترولية والأمعاء والأحشاء الحيوانية والبوليثيلين، كما تم تصدير الملابس النسيجية والأحذية والباريت والسيارات وقطع الغيار والمركبات والسيراميك والأدوية إلى جمهورية أذربيجان.

أما بالنسبة للمملكة المغربية فمن المحتمل أن تقوم بتصدير الأسماك والسمك المعلب وزيت السمك، والمأكولات البحرية والدجاج الحلال والأثاث والمنتجات الخشبية، في المقابل يمكنها أن تستورد من جمهورية أذربيجان عصير الرمان والقطن، وكذلك البندق، إلى السوق المغربي. وأعتقد أنه يمكن توسيع قائمة السلع من أجل تعميق التعاون الثنائي.

ومع ذلك فإن المصالح المتبادلة بين البلدين لا تنحصر فقط في تسويق السلع، بل في التعاون الاقتصادي الثنائي في المجالات التالية: النقل، الاستثمار، التعليم، السياحة، مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والابتكار والطاقة.

بالإضافة إلى ذلك يمكن للمملكة المغربية العمل كجسر لتنمية التعاون الاقتصادي لأذربيجان في القارة الأفريقية، مع احتساب عامل ارتفاع مستوى الثقة والتعاون بين بلدينا في المجال السياسي. وكذلك تعتبر الدبلوماسية السياسية والاقتصادية الحكيمة والمتوازنة للمملكة المغربية الأساس الراسخ الذي أنشأه المغفور له الراحل الملك الحسن الثاني، والذي طوره جلالة الملك محمد السادس بنشاط، ما يفتح المجال أمام فرص كبيرة لتطوير مشاريع مشتركة في المنطقة الأفريقية.

وباعتبارها واحدة من أدوات تعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي، فمن الضروري العمل على تشكيل لجنة مشتركة على مستوى الدولة، ينبغي أن تنطوي مباشرة على الاتفاقيات بين البلدين. ولعمل هذه اللجنة من الضروري إشراك كل من المسؤولين الحكوميين الرسميين والهياكل الخاصة ومنظمات المجتمع المدني، من المهتمين بمجالات التعاون؛ وبالتالي فإن عملها سيكون على أساس الشراكة بين الدول، والأعمال التجارية الخاصة والمبادرات العامة.

وكذلك نقترح خلق بوابة إلكترونية تحتوي على المعلومات التالية باللغة الأذربيجانية والعربية والإنجليزية: قائمة شركات التصدير الرئيسية للبلدين وغيرها من الشركات الراغبة في الانضمام إلى البوابة، خصائص أنشطتها، وتفاصيل الاتصال مع المسؤولين، معلومات عن فرص الاستثمار، فضلا عن ميدان مناقشة المشاريع والأعمال التجارية.

وفي الختام أود أن أقول إنه وبعد الدراسة المعمقة للعلاقات الاقتصادية للمملكة المغربية وجمهورية أذربيجان استنتجنا أننا أمام آفاق مهمة يجب تحقيقها، خاصة أنها تهم مجالات عديدة ونجاحها رهين بشرط استغلالها بين نشطاء السوق المحليين مباشرة دون وساطة طرف ثالث. ولتحقيق هذا الهدف يجب خلق فضاء خاص لرجال الأعمال من أجل مناقشة مشاريعهم ودرس الصفقات الممكن القيام بها؛ بالنظر إلى الوساطة التي تكلمنا عنها سابقا، والتي هي جزء من العلاقات التجارية الدولية ومشروعة حسب القوانين والأعراف الدولية، إذ إن كل المعاملات تتم بصفة قانونية وموثقة في عقود تجارية، غير أن الخاسر الأول هو المستهلك المحلي، والذي يدفع ثمن الربح الذي يحصل عليه الوسيط.

لذا يجب وضع آليات تمكن من تنفيد إستراتيجية التنمية الخاصة بالعلاقات التجارية للبلدين، وإدماج كل الفعاليات التي يمكن أن يستفاد منها من أجل التعريف بالسوقين، والاستفادة من تجارب تطوير العلاقات الاقتصادية للمملكة المغربية مع بعض بلدان الاتحاد السوفييتي سابقا، حيث من الضروري القيام بدراسة جميع مكونات السوق المغربي والأذربيجاني وتحقيق النتائج المتوصل إليها.

 

كسيم صلاح*


 

*أستاذ باحث محاضرفي العلاقات الدولية بـالجامعة الوطنية بمدينة خاركوف – أوكرانيا