المتابع لما يسمى الانتخابات الرئاسية التي تحدث في مصر عبر شاشات الفضائيات المصرية، يظن فعلا أننا أمام حدث تاريخي كما يصفونه، وأننا نشهد عُرسا ديمقراطيا لم نره من قبل. 

ويرافق المشهد الرقص والزمر على أبواب اللجان، خصوصا من النساء، وهذا عمل غير مسبوق في كل الدول التي تشهد انتخابات، فدائما تكون الاحتفالات بعد إعلان النتائج، ناهيكم عن افتقاد العملية الانتخابية للمنافسة الحقيقية، بل تم استدعاء محلل في آخر لحظة، وإبعاد كل المنافسين الحقيقيين.

فهل السيسي يسعى لتحقيق الديمقراطية في مصر وتمكينها، وإنشاء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على سيادة القانون، وترسيخ قيم المواطنة، والتسامح، وقبول الآخر، فضلا عن تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، كما يدّعي في لقاءاته الخارجية وتصريحاته العنترية، أم أن الأمر لا يتعدى كونه دعاية ممجوجة لمخاطبة الغرب، وخداع البسطاء من الشعب المصري؟

أقول: دعونا نستعرض سويا المسار الذي أتى به السيسي، والممارسات التي يمارسها داخليا مع الشعب المصري على حقيقته دون مبالغة أو تهوين:

أولا: الديمقراطية في أبسط معانيها تعني أنها: شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة، وتشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تُمكّن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي. 

فهل السيسي يسعى لتحقيق هذا النموذج؟ أم أن ممارساته تخالف ذلك بسجن وإبعاد كل من رغب أو نوى الترشح ومنافسته؟

ثانيا: الطريقة التي أتى بها السيسي في الحكم لم تكن بشكل ديمقراطي بالمفهوم السابق، بل أتى عبر انقلاب عسكري على المسار الديمقراطي نفسه، الذي اختاره الشعب المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. 

ولم يكتف بذلك، بل قام بسجن الرئيس المنتخب وتلفيق التهم له، ولكل من يدافع عنه أو يقف بجانبه، أو يتعاطف معه، حتى وصل عدد المسجونين بتلفيق القضايا، لما يزيد عن 60 ألفا، ومئات المختفين قسرا، وأحكام بالإعدام على المئات!

ثالثا: معظم الذين دعموا السيسي ووقفوا بجانبه في انقلابه على المسار الديمقراطي، مما يسمى التيار المدني، تمت مجابهتهم بالطريقة ذاتها التي جابه بها الإخوان، مثل أحمد ماهر، وأحمد دومة، وعلاء عبد الفتاح، وغيرهم كثير. 

فبعد أن وظفهم لخدمته، قام بالاستغناء عنهم، بل وصل الأمر إلى سجن بعضهم، وتهديد البعض الأخر بتلفيق التهم، والسجن إن تطلب الأمر.

رابعا: إذا نظرنا إلى الحريات العامة في مصر، فحدّث ولا حرج، فبحسب ما أورده المرصد المصري للحقوق والحريات "إن عدد القرارات والقوانين المخالفة لمبادئ ومعايير حقوق الإنسان التي تم إقرارها ونشرها في الجريدة الرسمية منذ الأول من تموز/ يوليو 2013، وحتى نهاية أيار/ مايو 2015، بلغ عددها 510 قرارات وقوانين".

خامسا: تهميش كل الأحزاب السياسية، بل وصل الأمر إلى انعدام دورها في الشارع المصري، وتكليس الممارسة السياسية، وسيطرة الرأي الواحد الذي يمثله السيسي، ومن يخالفه، أو يخرج عن طوعه فهو عدو للوطن، ويتم محاربته بكل السبل.

سادسا: استخدام الآلة الإعلامية الجهنمية في شيطنة المخالفين للسيسي وسياساته، وتصويرهم بأنهم أعداء للوطن، وأنهم يخربون في البلد، ووصفهم بأهل الشر، بحسب تعبير السيسي، وفي المقابل إيهام الناس بإنجازات ومشاريع وهمية، لم يرها المواطنون على أرض الواقع، ولم يلمسوها في حياتهم المعيشية!

سابعا: إضعاف المجتمع المدني، حيث تتعامل دولة السيسي مع المجتمع المدني على أنه عدو لدود، لابد من مواجهته والقضاء عليه، وتمثل ذلك في فرض القيود، وإصدار القوانين التي تُكبّل عمل المنظمات الأهلية. 

بل وصل الأمر إلى اعتقال البعض، والمنع من السفر، وتجميد أرصدة العديد من هذه المنظمات، ناهيك عن إغلاق المئات من الجمعيات الأهلية التي كان لها دور في مساعدة الفقراء، وسد حاجاتهم!

بعض ملامح الحصاد المر للأوضاع التي فرضها السيسي

حينما قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير، كان الشعب المصري يهفو إلى تحقيق الحرية، والعيش الكريم، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. 

ولكننا لمسنا بعد انقلاب السيسي على المسار الديمقراطي أن الأمور تغيرت، والأحوال تبدلت، وأصبحت هذه الشعارات التي هتفت بها الجماهير في ميادين مصر مجرد حلم، بل أصبحت مستحيلة التطبيق في الواقع الجديد الذي فرضه السيسي بمنطق القوة، وتأسيس لجمهورية الخوف، وملامح ذلك:

أولا: تغول الجيش في الاقتصاد المدني؛ فمنذ وقوع الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013 تم إعطاء الجيش صلاحيات أكبر ومشاريع أوسع، عبر التشريعات الاقتصادية، فلم يكتف السيسي بتضخم المنظومة الاقتصادية للقوات المسلحة، بل استحوذ على عقود شراكات مع جهات أجنبية. 

وحصل الجيش على المشروعات العامة بالإسناد المباشر، وهذا أحدث حالة من عدم التكافؤ أمام القطاع الخاص المصري. 

بل يسعى الجيش الآن للسيطرة على بعض مؤسسات القطاع الخاص من سلسلة المتاجر الكبرى، وكذلك إنشاء شركة للاتصالات. 

وكل ذلك أدى، بطبيعة الحال، إلى تحويل المهمة الأساسية للقوات المسلحة من أعمال وصناعات عسكرية إلى انتزاع المهمة المدنية المنوطة بالقطاع العام والخاص.

ثانيا: انحسار الحماية الاجتماعية. فحكومة السيسي لم تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية الفقراء والمضارين من السياسات المُتبعة التي زادت من رقعة الفقراء، وعدد العاطلين. 

ويشهد المجتمع المصري الآن العديد من الظواهر الاجتماعية شديدة السلبية مثل: الهجرة غير الشرعية، وزيادة معدل التضخم، وتعويم الجنيه المصري، وزيادة الدين العام الداخلي والخارجي، وقلة عوائد السياحة والعاملين بالخارج. 

وكل ذلك أثّر على كل فئات المجتمع، خصوصا المتوسطة منها.

ثالثا: الدخول في مشروعات عامة لا تتطلبها المرحلة الحالية؛ فلم يكن هناك فائدة حقيقية لتفريعة قناة السويس، وكذلك العاصمة الإدارية الجديدة، ومشروع استصلاح 1.50 مليون فدان الذي توقف فيما بعد، ومشروع إنشاء مليون وحدة سكنية لمحدودي الدخل. 

فكل هذه المشاريع تحتاج إلى ملاءة مالية تتسم بالفائض، وليس العجز كما هو الحال، فضلا عن أن مصر تعتمد في تمويل هذه المشروعات على الاقتراض الداخلي والخارجي، ما يؤدي إلى كوارث اقتصادية في المستقبل.

رابعا: استخدام القوة المفرطة ضد أهل سيناء؛ ولم يكتف السيسي بذلك بل هجّر أهلها، فبحلول شهرتشرين الأول/ أكتوبر 2014 قررت محافظة شمال سيناء بدء عملية إخلاء الشريط الحدودي في مدينة رفح المصرية من السكان، ضمن ما تعتبره الدولة جهودا للقضاء على الإرهاب. 

ومنحت الأهالي مهلة أسبوعًا للانتقال إلى أي مكان آخر، دون أن توفر لهم سكنا بديلا، ومع مطلع عام 2017 بات كل المواطنين المصريين يخضعون لضغوط أمنية استثنائية عندما يقررون السفر إلى سيناء! 

خامسا: إهدار التراب المصري والسيادة الوطنية؛ ففي 8 نيسان/ أبريل من عام 2016 وقعت الحكومتان المصرية والسعودية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، تنازلت بموجبها مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. 

وقام السيسي بالتصديق على هذه الاتفاقية في 24 حزيران/ يونيو 2017 بعد موافقة صورية من مجلس النواب، برغم حكم القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية، وتأييد المحكمة الإدارية العليا. 

وكذلك التفريط في الحدود المصرية مع اليونان وقبرص نكاية في تركيا، وخدمة لإسرائيل، ناهيك عن اتفاقية سد النهضة التي ستؤثر بالسلب على حصة مصر من ماء النيل.

هذا غيض من فيض وما خفي كان أعظم، فهناك العديد من التهديدات على مستقبل الشعب المصري نتيجة للممارسات التي ينتهجها السيسي، مستخدما كل الوسائل لتمرير سياساته عن طريق القضاء، ومجلس النواب المصنوع على عينه، وترويج ذلك من خلال ماكينة إعلامية تقلب الحقائق، وتشوه الواقع، وتُوهم الناس بأن هناك إنجازات عظيمة!

وفي النهاية أقول: إن استمرار السيسي في حكم مصر، ودعمه بأي شكل من الأشكال هو تأسيس لجمهورية الخوف، وإفقار وتجويع وإهدار لكرامة المصريين، واستمرار لمسيرة الظلم في أقبح صوره.


 

جمال نصار