خلال أشغال مؤتمر يعنى بالتعليم، عقد في دبي، كانت أولى اللقاءات التي انتهت بموافقة العقيد معمر القذافي على خطة تمويل الحملة الانتخابية لوزير الداخلية الفرنسي وقتها، نيكولا ساركوزي، حسب ما نقلته الصحف الفرنسية هذه الأيام. 

تحقق التمويل من أموال الشعب الليبي، دون العودة إليه، وفاز ساركوزي بالمنصب الرئاسي وفتح قصر الإليزيه لضيفه الليبي الكبير، بل سمح له بنصب خيمته في قلب باريس، مقابل عقود قاربت خمسة عشر مليار دولار. 

ولرد الجميل أيضا، أفرج القذافي، عكس كل التوقعات، عن الممرضات البلغاريات المتهمات بنقل الإيدز لأكثر من أربعمائة طفل ليبي تمت التضحية بهم، بعد سنوات من استغلال سياسي بشع لمعاناتهم ومصابهم الأليم. 

وكانت الاستجابة بناء على طلب من سيسيليا ساركوزي، الرومانية الأصل، زوجة ساركوزي الهنغاري الأصل، التي زارت طرابلس، في أول نشاط عام لها، وعادت منها بطائرتها محملة بالممرضات. 

انتهت القصة بانفصال ساركوزي عن زوجته بعد أن تركته وتزوجت رجل أعمال من أصل مغربي خمسة أشهر بعد دخولها الإليزيه سيدة أولى لفرنسا. 

قد يبدو الأمر بعيدا عن موضوعنا، لكن القذافي كان أول سياسي أجنبي صرح بخصوص موضع الطلاق بوصفه نيكولا وسيسيليا بالصديقين، قبل أن يضيف أن انفصالهما تم بصورة مفاجئة، وأنهما "لم يعطيا وقتا لتدخل أصدقائهما شخصيا لإصلاح ذات بينهما".

في عام 2013، عادت سيسيليا للحظة لقائها بالقذافي في كتاب أصدرته ووصفته فيه بالقول: "الرياضي العجوز والعاجز نفسه، بوجه منتفخ وملامح مرتخية، مثل ممثل رديء رداءة الديكور المحيط به". 

وأضافت أنها لم تعطه الفرصة ليأخذ الكلمة، بل انطلقت تعترض على الطريقة التي عوملت بها، وتأخير لقائها به بحجج مختلقة، راجية إياه عدم الاقتراب منها، ومحذرة من أنه سيكون مسؤولا أمام العالم في حال حدوث مكروه لها. 

وقالت له: "رجاء لا تلمسني.. إذا حدث لي مكروه سيعاقبك المجتمع الدولي". 

هكذا قدمت سيسليا القذافي بعد مقتله في حادثة لا تزال تثير من الشكوك والأسئلة الشيء الكثير. وهي أسئلة عادت قبل أيام لتظهر، ولو على استحياء، بخصوص دور ساركوزي في تصفية القذافي بعد اعتقاله في الحادي والعشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2011.

بعد كل تلك السنوات، وبالرغم من مغادرة القذافي إلى الآخرة، لا يزال طيفه مطاردا للرئيس الفرنسي الأسبق، والواضح أنه سيكون سببا في دخوله السجن كأول رئيس فرنسي يلقى هذا المصير. 

التهمة، بحسب المحققين، "فساد سلبي وتمويل غير قانوني لحملة انتخابية وإخفاء لأموال عامة ليبية".
 
وأخطر التهم الموجهة لساركوزي ما كيفه المحققون على أنه "فساد سلبي"، أي تلقي رشوة دون طلبها، مع العلم أنها تستهدف مقابلا، وهي التهمة التي تصل عقوبتها عشر سنوات سجنا.

تعود فصول القضية إلى الحادي عشر من آذار/ مارس 2011، التاريخ الذي يعتبره ساركوزي بداية "جحيم من التشهير" يتعرض له، حيث أعلن سيف الإسلام القذافي عن فضيحة سياسية ستطيح بالرجل، باعتباره كان قائدا للحملة العسكرية على ليبيا، ما أكده أحمد قذاف الدم قبل أيام وقبله الوسيط اللبناني زياد تقي الدين.

ليس مفاجئا أن تصر الدولة الفرنسية، رغم كل الدعم الذي يلقاه ساركوزي من حلفائه وعائلته السياسية، على المضي في سبيل تحقيق العدالة ومعاقبة الجاني مهما علا شأنه. 

وليس من المفاجئ أيضا أن يواصل نيكولا ساركوزي خطته بنفي كل الاتهامات، واعتبار الأمر مجرد مؤامرة ليبية للانتقام منه، كخطة دفاع عن شرفه وتاريخه السياسي. 

لكن المفاجئ، وربما لا يكون أيضا، تباهي المسؤولين الليبيين السابقين بالجريمة القانونية والأخلاقية التي ارتكبوها زمن سيطرتهم على مقدرات البلاد. ذاك بالضبط الفرق بين "الدول" و"أشبه الدول"، وليبيا ليست أبدا استثناء في هذا المضمار.

كان الهدف الأسمى للعقيد القذافي من تعامله مع ساركوزي وغيره من رؤساء الدول المحترمة، وأشباه الدول، فك العزلة عن شخصه، رغبة في الحصول على شرعية يرمم بها سمعة نظامه المتهاوي والموصوم بتهمة دعم الإرهاب الدولي، والبحث أيضا عن زعامة أممية كرتونية حولته إلى "ملك ملوك إفريقيا"، بعد شرائه ذمم "رؤساء" فتحوا له حدود بلدانها ليؤم المصلين بصحاري القارة السمراء. 

ولأن العقيد وعائلته كانا المتصرف الوحيد في مقدرات وأموال الشعب الليبي، فقد كان الصرف دون حساب، ودون خوف من الحساب، سمتان رئيستان للحكم بباب العزيزية، التي تحول إلى خربة، وأثر بعد عين. 

أما "ملك ملوك إفريقيا" والزعيم الأممي وحفيد عمر المختار الذي كان يستقبل في آخر سنوات حكمه المديد بالعواصم الأوربية على السجاد الأحمر، رغم حركاته البهلوانية، وتصرفاته المنفرة، فقد انتهى به المطاف مقتولا بطلقات من أبناء شعبه، أو أوامر من خارج بلده، لا فرق فالأمر سيان.

البحث عن الشرعية وعن الرضا الغربي لازمة مشتركة لدى الحكام العرب، يبذلون من أجلها الغالي والنفيس. 

ولعل في التسريبات الأخيرة التي أظهرت سخاء الصرف من إمارات ودول خليجية على الأشخاص وجماعات الضغط والشركات المتعددة الجنسيات مقابلا للدعم وتلميع الصورة وحفاوة الاستقبال، لدليل على أن التاريخ يعيد نفسه، لدرجة أن يستخف الرئيس الأمريكي بضيفه ولي العهد السعودي حين حوله أمام الكاميرات لمجرد تاجر ثري للسلاح وللحماية الأمريكية لحكمه أمام العالمين.

لا عيب في أن تستثمر الدول العربية الغنية أموالها أينما رأت لذلك فائدة ومردودا يدعم خططها ورؤاها الاستراتيجية، لكن عندما يصير التلاعب بالملايير وبحاضر الأجيال ومستقبلها عملة رائجة للحصول على الشرعية المفتقدة في الداخل، فالأمر "خيانة للأمانة" و"معصية" لا طاعة فيها لمخلوق. 

وبالقدر الذي يمتلك فيها البعض أموالا للصرف بلا حسيب ولا رقيب، لا يجد آخرون غير الانخراط في مشاريع وصفقات مشبوهة تضيع الحقوق وتكرس للخنوع عملة قابلة للصرف في المزاد المفتوح على مصراعيه بالشرق الأوسط منذ شهور. 

عبد الفتاح السيسي نموذج جلي لمن يدخل مزاد الانبطاح، بحثا عن شرعية وقبول دوليين، هما عز ما يطلبه وهو الفاقد لهما، بما لا يملك من أرض مصر نقلا للملكية ومشاركة في المشاريع بالأرض وبيعا مباشرا للمشترين. 

آخرون لا يجدون غير التراجع عن الثوابت والمواقف المبدئية عملة قابلة للصرف. 

والضمانة الوحيدة لكل هؤلاء أنهم "زعماء" أشباه دول لا قانون فيها يطبق إلا حسب هوى مالك السلطة ومغتصبها.

لكل هؤلاء نذكر بمصير العقيد معمر القذافي، الذي يشهد له التاريخ أنه حذر من المصير الأسود، الذي ينتظره، وينتظر أقرانه ممن جالسوه في حفل افتتاح القمة العربية بدمشق في آذار/ مارس 2008، وهو يذكرهم بما اقترفت أيديهم سكوتا عن مصير صدام حسين

  طارق أوشن

الذي انتهى مدلى من حبل مشنقة حضرها الاحتلال الأمريكي ونفذت بأيدي عراقيين.