يبدو أن بلدنا المغرب يعرف تزايدا مضطردا ملحوظا في عدد المحللين السياسيين ؛ فلا تكاد تخلو قناة من قنواتنا التلفزية المغربية من وجود محلل سياسي يطلعنا، بكرم حاتمي مدهش ،على تفاصيل ما يعتور المشهد السياسي المغربي والعربي والإسلامي والدولي من تقلبات إيجابية وسلبية ؛ من نجاحات محدودة تحققها دبلوماسيتنا المغربية في هذه القضية أو تلك ، وما تحققه دبلوماسية الآخر وأيضا وما يواكب هذه النجاحات أو الإخفاقات من تثمين وتنويه ودسائس ومكر وأخطاء وهفوات ممارسي اللعبة السياسية ببلدنا الحبيب وبباقي دول العالم .

ومعلوم أن التحليل السياسي هو بالإضافة  إلى كونه  شرحا للأوضاع السياسية، هو أيضا فهم وإدراك لأسباب ما حدث وسيحدث في المستقبل  ومحاولة البحث عن حلول  لوضع سياسي أو ظاهرة سياسية تعرقل تنمية المجتمع وبالتالي فهو ،أي التحليل السياسي،  شأنه شأن باقي الحقول ، الاجتماعية والثقافية والفكرية والحقوقية والدينية والإبداعية،يحبل بالكثير مما أحله

 وحرمه الرقيب ،فلذلك تجد المحلل السياسي المغربي،وهو تحت أضواء الكاميرا ،يخوض في ما أحله الرقيب بأسارير مشرقة ومحيا بشوش ،فتنطلق كلماته وجمله الحمالة لأفكار واقتراحات وتصورات مبشرة بواقع جميل ومكرسة لمنطق " العام زين "و"الاستثناء المغربي" العجيب ،وبالمقابل تجده، حينما يُطلب منه الإدلاء بدلوه في ما حرمه هذا الرقيب أيضا،متأبطاأسلحته المعروفة والمتداولة من قبيل :المراوغة والمواربة والمغالطة والاختفاء في جبة ترسانة اصطلاح معتبرة يوظفها في مثل هذه المآزق .

فلا غرابة إذن أن يلاحظ المتتبع للشأن السياسي بالمغرب تضاربا صارخا في آراء ومواقف محلل سياسي واحد في قضايا محددة زمانا ومكانا وموضوعا، من برنامج تلفزي إلى آخر،فتجده مثلا يمتدح خطوة اضطلع بها سياسي خدمة لوطنه ولقضيته الوطنية في برنامج تلفزي يبث من شمال المغرب، وما يلبث هذا المحلل السياسي عينه أن يبين عيوب ومخاطر الخطوة نفسها على وحدة الوطن وأمنه واستقراره في برنامج تلفزي آخر ولكن هذه المرة يبث من غرب المغرب.

إن وقوع المحلل السياسي المغربي، من هذه العينة التي ذكرت بعض ملامحها آنفا، في تناقضات واضحة ومستفزة للمتلقي المغربي والعربي على حد سواء وهو يدلي برأيه في قضايا سياسية شائكة  وغامضة حينا وعادية وواضحة حينا آخر ينم على عدم التزام هذا الأخير بقواعد معروفة في التحليل السياسي منها:

 ـ الاطلاع الواسع على حيثيات هذه القضايا المطروحة للنقاش والتي غالبا ما تكون محط اهتمام ومتابعة من لدن الرأي العام الوطني والإقليمي والدولي.

 الموضوعية ؛السلاح الفعال الذي يُكسب المحلل السياسي سمعة ومصداقية،تتحقق معهما الثقة والوثوق في ما يقدمه هذا الأخير من أفكار واقتراحات وحلول في حواراته التلفزية أو الإذاعية على حد سواء.

ـ استعمال خطاب سياسي واضح ومفهوم بعيدا كل البعد عن لغة الخشب وثقافة التمويه.

إن حضور المحلل السياسي في برامج تلفزية يجب أن يشكل إضافة نوعية لهذه البرامج وإلا فهو مجرد ديكور ضمن "ديكورات وأكسسوارات "أخرى يتم توظيفها لتأثيت برامج تلفزية أريد لها أن تساهم في تدجين وتغليط المواطنين المغاربة ،خاصة ، الذين لا يتوفرون على مناعة فكرية ومعرفية من شأنها أن تساعدهم على التمييز بين التحليل السياسي الموضوعي والتخليل السياسي الممقوت الذي "يحفظ" العقول والذهنيات في قوالب لا تسمح بالانعتاق من قيود ثقافة القطيع والانقيادالأعمى .  


حسن زغلول