إن فكرة تشييد السدود وجدت مع الإنسان منذ أمد بعيد، فقد شيد الرومان والمصريون والهنود والأسيويون السدود منذ القديم.

والسد عبارة عن بناء يسد مجرى الأنهار والوديان لحفظ مياهها، أو تنظيم منسوبها.

وكانت السدود الأولى تبنى من مادة التراب ثم من مواد البناء، وحديثا بالإسمنت ثم بالأبرق، أي الإسمنت المسلح.

ويوجد اليوم أكثر من أربعين ألف سد في العالم، والغاية بالأساس إنتاج الطاقة الكهربائية، نظرا للاحتياجات المتزايدة للطاقة...

ومن أهم السدود التاريخية سد مأرب الذي ذكره القرآن الكريم وتحدث عنه المؤرخون وخلده الأدب العربي في أشعاره وأدبياته.

ويحدثنا التاريخ أن المهندسين المغاربة كان لهم اهتمام خاص ببناء السدود والجسور من أجل التحكم في تنظيم المياه والمحافظة على هذه الثروة الحيوية التي تزخر بها بلاد المغرب.

وفي هذا السياق يجب الوقوف مع الإنجاز التاريخي والدور الرائد الذي قام به جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله في سياسة بناء السدود في المغرب الحديث، حتى لقب "بباني السدود".

إن سياسة السدود شكلت ثورة في مجال الأمن المائي، وقلما يوجد في تلك الفترة بلد عربي فطن إلى الدور الاستراتيجي للسدود خلال الستينيات والسبعينيات، كما فطن لذلك المرحوم الحسن الثاني؛ ولذلك، فإن هذا الإنجاز من جلالته يعد عملية واسعة في سياق بناء السدود وتدبيرها بشكل محكم مما مكن المغرب، رغم محدودية موارده المائية وعدم انتظامها، ورغم فترات الجفاف التي عرفها، من تجاوز معظم التحديات والإكراهات، ومواكبة الحاجيات المائية المتزايدة وطنيا، بالنسبة للساكنة ولمختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.

فمع مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي بدأ تشييد السدود يتخذ وتيرة شبه سنوية، إذ ما بين سنتي 1967 و1974 تم إنشاء ثمانية سدود تتوزع جغرافيا بين مناطق أهملها الاستعمار، مثل تاوريرت التي رأى النور بها أول سد عصري سنة 1967، وأطلق عليه اسم محمد الخامس.

لكن تبقى سنتا 1985 و1986 الأكثر إنجازا من حيث عدد السدود التي تم تشييدها، فسنة 1985 وحدها سُجل بها تشييد 7 سدود.

أما سنة 1986 فتظل الأكثر غزارة من بين كل السنوات من حيث عدد السدود التي تم تشييدها، ففي هذه السنة تم بناء 14 سدا.

ويمكن إبراز مبدأ بناء السدود في فكر الحسن الثاني رحمه الله من خلال أربعة أبعاد:

البعد الديني.

ويتجلى هذا البعد في خطاباته التي تكون مناسبة متعلقة بالماء، فعلى سبيل المثال،خاطب جلالته بتاريخ 18 فبراير 1987 أعضاء المجلس الأعلى للماء بقوله :

"وقبل كل شيء نقول فيكم الكلمة التي نريد أن نختم بها هذه الأعمال، رأيت أنه من المستحسن أن نبدأ بآية وجدتها في سورة الحجر، وأنا أتصفح الكتاب الكريم تقول هذه الآية: (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين).

وبما أنني متفائل ومؤمن برحمة الله، وبأخذه بيد عبده، فالنفي في أنتم له بخازنين ليس من باب الاستحالة، بل هو من باب المؤاخذة، نعطيكم الماء ونسقيكم بالماء ولا تخزنوه (فما أنتم له بخازنين). وليس من باب الاستحالة على بني آدم ولا من باب الاستحالة على السلطان العام الذي وهبه الله إياه، وليس بمستحيل أن يختزن الماء؛ ولكن هذه ملاحظة من الباري عز وجل: (وما أنتم له بخازنين).

وإذا كان كتاب الله سبحانه وتعالى كتابا يصلح لجميع الأزمان، وفي جميع الأماكن ولجميع البشر، فأظن أنه يجب علينا نحن الذين نعيش في أواخر هذا القرن في جميع القارات أن نتدبر الآية التدبر الكامل".

فالخطاب السامي يوصي بمسألة تدبير تخزين الماء، استلهاما بفحوى الذكر الحكيم، وسيرا على هديه تحسبا لسنوات الشح والجفاف.

البعد الاستراتيجي.

فلا يخفى على أحد مركزية الماء ومحوريته بالنسبة لكل الكائنات الحية وخاصة الإنسان، لا في السلم ولا في الحرب، وهنا نتذكر المكان الذي اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم منزلا لجنود المسلمين خلال غزوة بدر الكبرى.

ولذا فقد كان الحسن الثاني رحمه الله يؤكد غير مامرة على أن الماء سيكون سبب حروب بين الشعوب؛ ذلك أن الماء رمز للاستقلالية وسيادة الدولة.

وفعلا قد أثبتت سياسة السدود، التي أطلقها الملك الحسن الثاني رحمه الله في منتصف الستينيات، مع مرور الزمن، أنها استراتيجية ناجعة بالنسبة للمغرب ولاقتصاده، وهو البلد الذي يتميز بمناخ شبه جاف في أغلب أجزاء ترابه.

وتتوافق هذه السياسة الطموحة، التي تجسد حكمة وتبصر وبعد نظر المغفور له الحسن الثاني، مع الدور الحيوي الذي أعطي لقطاع الفلاحة في الاقتصاد الوطني، حيث جرت تعبئة عدة مليارات متر مكعبة من المياه بمختلف جهات المملكة، في وقت أصبحت فيه الموارد المائية نادرة أكثر فأكثر على صعيد الكرة الأرضية.

وتمكن المغرب عبر هذه السياسة المائية التي ربطت تنمية البلاد بالماء من مواجهة الاحتياجات المتزايدة لسكانه ولاقتصاده، وأساسا على مستوى قطاعات الفلاحة والصناعة والكهرباء.

ويندرج هذا الاختيار الأساسي في إطار استراتيجية تهدف إلى التحكم في انعكاسات التقلبات المناخية، بتأمين تزويد المملكة بالماء، وبالتالي المساهمة في استقرار إنتاجها الفلاحي.

ولولا هذه السدود لما تمكن المغرب من تزويد المراكز الحضرية بالماء الصالح للشرب خاصة خلال فترات الجفاف.

البعد الاقتصادي.

مكنت سياسة السدود الكبرى التي أعطيت انطلاقتها سنة 1967 من تجهيز دوائر سقوية كبرى ذات مردودية اقتصادية عالية نظرا لاعتماد المزروعات الصناعية. وقد مكن البرنامج الطموح لإنجاز السدود الصغرى والمتوسطة والذي شرع في انجازه سنة 1985 من تنشيط اقتصاد المناطق القروية والتقليص نسبيا من عدم التوازن الذي نتج عن سنوات الجفاف، والهدف المتوخى من هذا البرنامج هو التطور المندمج للسقي الصغير والمتوسط وتزويد بعض المراكز التي تعرف خصاصا في الماء الصالح للشرب.

ويمكن تلخيص هذا البعد في:

- توسيع الرقعة الزراعية.

- تحويل عشرات الآلاف من الهكتارات إلى نظام الري الدائم، مما سيضاعف غلة هذه الأراضي.

- وتضمن هذه السدود وجود المياه اللازمة لري الاراضي المزروعة حاليا والتي ستصلح مستقبلا.

- وقاية المحصولات والبلاد من خطر الفيضانات التي كانت تهلك الزرع والحرث، وتضيع جهد آلاف المزارعين.

البعد البيئي والإيكولوجي.

من الأبعاد الايجابية التي تقوم بها السدود:

- حماية مجموعة من المناطق المغربية من أخطار الفيضانات والجفاف.

- الحفاظ على مجموعة من الكائنات الحية كالطيور والأسماك وغيرها.

- تنمية السياحة الإيكولوجيا التي أصبح لها روادها في هذا العصر.

- التخفيف من واقع الحرارة بالمناطق المجاورة.

إن مبدأ إنشاء السدود لدى الحسن الثاني رحمه الله إنجازا عظيما يبقى مخلدا في الذاكرين من أجل استلهام الدروس والعبر في مسيرة البناء والعمارة ودون إغفال للبعد البيئي ومركزيته في عملية البناء الحضاري.


 

عبد الحكيم شتوي


 

*باحث في قضايا البيئة

chtiouiabdelhakim@gmail.com